وقال الطبري: وأولى هذه الأقوال وأصح التأويلات عندنا في هذه الآية ما روي عن أبي بكر الصديق، وهو العمل بطاعة الله، وأداء ما لزم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد الظالم؛ لأن الله تعالى يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} ومن التعاون على البر والتقوى، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد الظالم حتى يرجع عن ظلمه.
واعلم: أن كلًّا من الآمر والمأمور يجب عليه اتباع الحق المأمور به، وقد دلت السنة الصحيحة على أن من يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله، أنه حمار من حمر جهنم يجر أمعاءه فيها.
ولقد أجاد من قال:
يَا أيُّهَا الرَّجُلُ الْمُعَلّمُ غَيْرَهُ ... هَلَّا لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّعْلِيْمُ
لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيْمُ
وقال آخر أيضًا:
أَتَنْهَى النَّاسَ وَلاَ تَنْتَهِي ... مَتَى تَلْحَقُ الْقَوْمَ يَا أَكْوَعُ
فَيَا حَجَر الشَّحْذِ حَتَّى مَتَى ... تَسُنُّ الْحَدِيْدَ وَلاَ تَقْطَعُ
وقال الآخر:
وَغَيْرُ تَقَيٍّ يَأمُرُ النَّاسَ بالتُّقَى ... طَبِيْبٌ يُدَاوِيْ النَّاسَ وَهْوَ مَرِيْضُ
وقال الآخر:
فَإِنَّكَ إِذْ مَا تَأْتِ مَا أَنْتَ آمِرُ ... بِهِ تُلْفِ مَنْ إِيَّاهُ تَأمُرُ آتِيَا
فائدة: واعلم أنه يشترط في الآمر بالمعروف أن يكون له علم يعلم به أن ما يأمر به معروف، وأن ما ينهى عنه منكر؛ لأنه إذا كان جاهلًا بذلك، فقد يأمر بما ليس بمعروف، وينهى عما ليس بمنكر، ولا سيما في هذا الزمن الذي عم فيه الجهل، وصار فيه الحق منكرًا، والمنكر معروفًا، والله تعالى يقول: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} . ويشترط في وجوبه مظنة النفع به، فإن جزم بعدم الفائدة فيه .. لم يجب عليه، كما يدل عليه ظاهر قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) } .