إنه قد يرافق تحريم الحلال - أو معنى من معاني الاعتداء يمين، ومن ثمّ فقد بيّن الله - عزّ وجل - حكم الأيمان المنعقدة في هذا المقام بعد أن بين حكم يمين اللغو في سورة البقرة، فبيّن هنا أنّ الله يؤاخذ باليمين التي يرافقها تصميم وقصد، وأن مثل هذه اليمين كفارتها لمن يجب عليه أن يحنث فيها، أو يجوز - إذا أراد الحنث - واحد من ثلاثة، إما إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو عتق رقبة، فإن لم يقدر المكلف على واحدة من هذه الخصال الثلاث كفّر بصيام ثلاثة أيام، ثم بيّن الله - عزّ وجل - أن هذه هي كفّارة اليمين الشرعية، وأمر بحفظ الأيمان، إما بالبر بها، أو بالتكفير عنها، وأنّ هذا البيان لأحكامه يقتضي منّا شكرا.
وبعد أن بيّن الله - عزّ وجل - لنا عدم جواز تحريم ما أحلّ، طالبنا بالالتزام بما حرّم، وبيّن لنا أنّ تعاطي الخمر والقمار مما حرّم، وأنّ مما حرّم الأنصاب: وهي
الحجارة التي كانوا يذبحون قرابينهم عندها، وأنّ مما حرم الأزلام: وهي قداح أي:
أقلام كانوا يستقسمون بها، ويستفتحون بها، ويلتزمون بتوجيهها الأعمى. ثمّ بيّن الله - عزّ وجل - أن هذه الأشياء كلها شر وسخط من فعل الشيطان وعمله ودعوته ووسوسته، آمرا إيانا بتركها لنكون من حزب الله، ومن عباده المفلحين. ثم بيّن تعالى ما هو مراد الشيطان من دعوته لنا إلى الخمر والميسر؟ ألا وهو إيقاع العداوة والبغضاء بيننا بذلك، وتحصيل الغفلة عن الله. فحيثما وجد الخمر كان العداء والشر، وحيثما وجد القمار - جدا أو هزلا - وجدت الشحناء. وإنّما يريد الله لحزبه أن يكونوا متحابّين، ومن ثمّ حرّمهما عليهم، وحيثما وجدت الخمرة والقمار كانت الغفلة عن الله، والله يريد منا أن نكون ذاكرين، ولذلك حرم علينا الخمرة والقمار، وحضّنا على الانتهاء عنهما بعد أن أظهر لنا الحكمة في التحريم، ثمّ بيّن الله - عزّ وجل - أنّ من آمن، وعمل صالحا، واتّقى وأحسن فليس عليه جناح فيما طعم من أنواع المباحات وما أكثرها، وأنه تعالى يحب المحسنين.
في بداية المقطع بيّن أنه لا يحب المعتدين، وهاهنا بيّن أنه يحب المحسنين، وهذا يؤكد فهمنا أنّ المقطع فيه تحرير وبناء، وتخلية وتحلية، وكذلك السورة كلها.