هذا رَدٌّ وإِنكار لما ابتدعه أهل الجاهلية. وهو أَنهم كانوا إِذا نتِجت الناقة خمسة أَبطن - آخرها ذكر - بحروا أُذنها. أي شقوها. وخلَّوْا سبيلها، فلا تُركب ولا تُحلب. وكان الرجل منهم يقول: إن شُفيتُ، فناقتي سائبة. ويجعلها كالبحيرة: في تخلية سبلها, وإن ولدت ذكرا وأُنثى معا. قالوا: وصلت الأُنثى أَخاها فلا يُذبَحُ الذكر. وإِذا نتِجَت من صلب الفحل عشرة أَبطن. حرموا ظهره، ولم يمنعوه من ماءٍ ولا مرعى. وقالوا: قد حَمىَ ظهره.
فمعنى قوله: {مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} :
أي: ما شرع الله ذلك ولا أَذِنَ به. وإنما هو مبتدع مختلق من عندهم.
{وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ} :
إذ يفعلون ما يفعلون ويزعمون - زورًا - أن الله تعالى يأمرهم به.
وأول من سنَّ لأَهل الشرك تلك السنن الباطلة المنكرة, ونسبها إلى الله. هو عمرو بن لُحَيِ الخزاعى، فهو الذي غير دِينَ إِبراهيم وإسماعيل, وبَحَر البحيرةَ وسيب السائبة.
وحمى الحامى. وزعم أَن ذلك شَرْعُ إِبراهيم عليه السلام.
أَخرج ابن جرير، عن أَبي هريرة، قال: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكتم بن الجون:"يا أَكتمُ، عُرضتْ عليّ النارُ. فَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بنَ لُحَى بن قَمَعة ابن خِندف يَجُرُّ قُصبَهُ في النارِ فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ بِرَجُل، منكَ بِهِ وَلَا بِهِ مِنكَ. فقال أَكتمُ: أخشى أَن يضرنى شبهه يا رسول الله. فقال رسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلم: لَا .. إنَّكَ مُؤْمِنٌ. وَهُوَ كَافِرٌ. إِنه أَول من غَيّرَ دينَ إِسماعيل، وبحَر البحيرةَ، وسيّبَ السائبةَ، وحمى الحامىَ".
{وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} : أن ذلك افتراءٌ؛ لأَنهم قلدوا فيه آباءَهم.
والمعنى: ولكن الكافرين - من الرؤساءِ والكهان - افتَرَوُا الباطل، وأَضافوه - زورا - إلى الله. أَمَّا أَكثرهم - وهم عوامهم الذين يَتَّبعونهم - فهم قوم لا يعقلون أَنه افتراءٌ باطل حتى يخالفوهم ويهتدوا إلى الحق بأَنفسهم. لذلك قلدوهم واستمروا على تقليدهم.