وكذلك جعل اللهُ الشهر الحرامَ سببًا لقيام الناس لأَن العرب كانوا يتقاتلون في سائر الأشهر، حتى إذا دخل الشهر الحرام، كفُّوا عن القتال، وزال الخوف والفزع، وباشروا الأسفار والتجارات. وهم آمنون على أَنفسهم وأموالهم. ولهذا كانوا يكتسبون - في الشهر الحرام - أَقواتهم التي تغنيهم وتسد حاجتهم طول العام. وكذلك جعل الله تعالى الهَدْىَ قياما للدين وللدنيا لأنه يُهْدَى إِلى البيت الحرام، ويُذبَح ويُفرق على فقراءَ الحرم ومساكينه. فيكون نسكا للمُهدِى: يُثَاب عليه، وقياما لمعيشة الفقراءِ والمساكين.
وكذلك القلائد: أَي النعم المقلدة؛ جعلها الله سبحانه قياما للناس. فإن لحمها طعام لمساكين الحرم؛ يقوم به أَمر دنياهم. وثوابها يرجع إِلى من يقدمها. فيقوم بها أمر أُخراه. وتخصيصها بالذكر - مع شمول الهدى إِياها - لبيان أن الشر أَباح تقليد المهدي، لما فيه من إِظهار شعائر الله والمبالغة في منع التعرض لها.
{ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} :
أَي ذلك الذي شرعه الله؛ في شأن الكعبة والشهر الحرام والهدى والقلائد - ليعلم الناسُ ويتدبروا عظيمَ لُطْفِ الله؛ الذي يعلم شئون خلقه، ويعلم ما يحتاج إِليه أَهل هذا الإِقليم - الذي لا زرع فيه - من أَسباب الرزق، وأَن علمه محيط بكل شئٍ. فلا تخفى عليه خافية.
وفي تكرار العلم في {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ؛ توكيد، لإِحاطته تعالى بما كان، وبما هو كائن، وبما سيكون.
{اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) } .
التفسير
98 - {اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} :