ولعل ظاهر الآية يوهم أنه لَا يضر ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما دام لَا يضر المؤمن ضلال من ضل، وقد ظهر ذلك الفهم الخطأ في عهد صديق هذه الأمة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فقال: إنكم تقرءون هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) وتضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعقاب"والآية ليس فيها دليل ناهٍ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآيات الآمرة بهما، والأحاديث الواردة فيهما لا تزال قائمة ولا ينسخها وهم يسبق إلى ذوي الأوهام من غير نص يدل عليه، ولقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مقام هذه الآية بالنسبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال عليه الصلاة والسلام:"بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شرا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأى برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع العوام، فإن من ورائكم أياما الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون كعملكم"وروي عن بعض التابعين أنه قال: كنت في حلقة فيها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله تعالى قال في كتابه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُم) . فأقبلوا على بلسان واحد، وإني لأصغرهم سنا، وقالوا: أتنزع آية من القرآن لَا تعرفها، ولا تدري ما تأوليها؟! فتمنيت أني لم أكن تكلمت، وأقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم، قالوا: إنك غلام حديث السن، وإنك نزعت آية ولا تدري ما هي، وعسى أن تدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شرا مطاعا وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأى برأيه، فعليك بنفسك لَا يضركم من ضل إذا اهتديت.