فالآية تجلى الغرض الذي تؤمه إجمالا آيات أخرى كقوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ، ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون ، لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون" (الحشر: 20) .
فالآيات تأمر بأن تنظر النفس وتراقب صالح عملها الذي هو زادها غدا وخير الزاد التقوى فللنفس يوم وغد وهي في سير وحركة على مسافة ، والغاية هو الله سبحانه وعنده حسن الثواب وهو الجنة فعليها أن تدوم على ذكر ربها ولا تنساه فإنه سبحانه هو الغاية ، ونسيان الغاية يستعقب نسيان الطريق فمن نسى ربه نسى نفسه ، ولم يعد لغده ومستقبل مسيره زادا يتزود به ويعيش باستعماله وهو الهلاك ، وهذا معنى ما رواه الفريقان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من عرف نفسه فقد عرف ربه .
وهذا المعنى هو الذي يؤيده التدبر التام والاعتبار الصحيح فإن الإنسان في مسير حياته إلى أي غاية امتدت لا هم له في الحقيقة إلا خير نفسه وسعادة حياته وإن اشتغل في ظاهر الأمر ببعض ما يعود نفعه إلى غيره ، قال تعالى:"إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها".
وليس هناك إلا هذا الإنسان الذي يتطور طورا بعد طور ، ويركب طبقا عن طبق من جنين وصبى وشاب وكهل وشيخ ثم الذي يديم الحياة في البرزخ ثم يوم القيامة
ثم ما بعده من جنة أو نار ، فهذه هي المسافة التي يقطعها الإنسان من موقفه في أول تكونه إلى أن ينتهى إلى ربه ، قال تعالى:"وأن إلى ربك المنتهى" (النجم: 42) .
وهو الإنسان لا يطأ موطأ في مسيره ولا يسير ولا يسرى إلا بأعمال قلبية هي الاعتقادات ونحوها وأعمال جوارحية صالحة أو طالحة ، وما أنتجه عمله يوما كان هو زاده غدا فالنفس هو طريق الإنسان إلى ربه ، والله سبحانه هو غايته في مسيره .