وَهَذَا الْكَلَامُ وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُهُ مَخْرَجَ الْخِطَابِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَالْمُرَادُ بِهِ بَعْضَ أَتْبَاعِهِ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاتَّقُوا اللَّهَ بِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ، وَاحْذَرُوا أَنْ يَسْتَحْوِذَ عَلَيْكُمُ الشَّيْطَانُ بِإِعْجَابِكُمْ كَثْرَةَ الْخَبِيثِ، فَتَصِيرُوا مِنْهُمْ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ يَعْنِي بِذَلِكَ: أَهْلَ الْعُقُولِ وَالْحِجَا، الَّذِينَ عَقَلُوا عَنِ اللَّهِ آيَاتِهِ، وَعَرَفُوا مَوَاقِعَ حُجَجِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يَقُولُ: اتَّقُوا اللَّهَ لِتُفْلِحُوا: أَيْ كَيْ تَنْجَحُوا فِي طَلَبَتِكُمْ مَا عِنْدَهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) }
ذِكْرُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبِ مَسَائِلَ كَانَ يَسْأَلُهَا إِيَّاهُ أَقْوَامٌ، امْتِحَانًا لَهُ أَحْيَانًا، وَاسْتِهْزَاءً أَحْيَانًا، فَيَقُولُ لَهُ بَعْضُهُمْ: مَنْ أَبِي؟ وَيَقُولُ لَهُ بَعْضُهُمْ إِذَا ضَلَّتْ نَاقَتُهُ: أَيْنَ نَاقَتِي؟ فَقَالَ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ ذَلِكَ، كَمَسْأَلَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ إِيَّاهُ مَنْ أَبُوهُ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ يَقُولُ: «إِنْ أَبْدَيْنَا لَكُمْ حَقِيقَةَ مَا تَسْأَلُونَ عَنْهُ سَاءَكُمْ إِبْدَاؤُهَا وَإِظْهَارُهَا» .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِأَعْرَابِيٍّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ:"هَلْ تَدْرِي فِيمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ، فَقَالَ: كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِهْزَاءً، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: مَنْ أَبِي؟ وَالرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ فَيَقُولُ: أَيْنَ نَاقَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ"