وروى ابن السمعاني في"أماليه"، وغيره عن علي بن عبد العزيز الجرجاني القاضي أنه أنشد لنفسه: من الطويل
يَقُولُونَ لِي فِيكَ انْقِباضُ وَإِنَّما ... رَأَوا رَجُلاً عَنْ مَوْقِفِ الذُّلِّ أَحْجَما
إِذا قِيلَ هَذا مَنْهَلٌ قُلْتَ قَدْ أَرى ... وَلَكِنَّ نَفْسَ الْحُرِّ تَحْتَمِلُ الظَّما
وَما كُلُّ بَرْقٍ لاحَ لِي يَسْتَفِزُّنِي ... وَما كُلُّ أَهْلِ الأَرْضِ أَرْضاهُ مُنْعِما
وَلَمْ أَبْتَذِلْ فِي خِدْمَةِ العِلْمِ مُهْجَتِي ... لأَخْدِمَ مَنْ لاقَيْتُ لَكِنْ لأُخْدَما
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ العِلْمِ صانُوهُ صانهمْ ... وَلَوْ عَظَّمُوهُ فِي النُّفُوسِ لَعَظَّما
وَلَكِنْ أَذَلُّوهُ فَهانَ وَدَنَّسُوا ... مُحَيَّاهُ بِالأَطْماعِ حَتَّى تَجَهَّما
أَأَغْرِسُهُ عِزًّا وَأَجْنِيهِ ذِلَّةً ... إِذاً فَاتِّباعُ الْجَهْلِ قَدْ كانَ أَسْلَما
* تَنْبِيهٌ:
اختلف السلف والخلف في القبول من السلاطين:
-فمنهم من كان يقبل.
-ومنهم من كان لا يقبل، وهو الورع.
ومحل الخلاف فيما لا يعلم مالكه فلا يقبله إلا من يأخذه ليرده على مالكه.
وروى ابن أبي الدنيا في"العقوبات"عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً قال له: يا أبا الدرداء! كنا نأخذ القليل من المال فنجد منه البركة، وإنا نأخذ اليوم الكثير من المال فلا نجد فيه ما ينفعنا ولا نجد فيه بركة؟
فقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: لأنه مال جمع من القلوب؛ يعني: من الظلم.
وبيانه: أنه من أخذ منه ماله مظلوماً في أخذه يتعلق قلبه بماله
وتَتْبعه عينه، بخلاف ما خرج عنه مالكه بطيب نفس وانشراح صدر.
33 -ومنها: التلبس بالمعصية في صورة الطاعة، وقصد الطاعة بالمعصية أو في المعصية، كما يفعله جهلة الصوفية إذا مر بهم صورة جميلة من المرد، فيقول قائلهم: سبحان الخلاق! يوهم الناظر إليه الطاعة وهو يتوسع في النظر، فإن اعتقد في تلك الصورة حُلولاً كان كفراً.
وكما يفعل جهلتهم، ومن يأخذ عنهم من التعبد بسجود مجرد عن الشكر والتلاوة، وخصوصاً عند مشاهدة الصورة الحسنة.