روى الطبراني في"الأوسط"عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد أقبل علي رضي الله تعالى عنه، فسلم، ثم وقف ينظر موضعاً يجلس فيه، فنظر النبي - صلى الله عليه وسلم - في وجوه أصحابه أنهم يوسعوا له، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - عن يمينه، فقال: هاهنا يا أبا الحسن، فجلس علي - رضي الله عنه - بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فعرف السرور في وجه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال:"يا أبا بَكْرٍ! إِنَّما يَعْرِفُ الفَضْلَ لأَهْلِ الفَضْلِ ذُو الفَضْلِ".
وروى ابن عساكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن أبا بكر فعل ذلك بالعباس رضي الله تعالى عنهما، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الحديث، وقد ذكرناه آنفاً، وهذا سببه.
وفي الإتيان بـ (إنما) الدالة على الحصر بدليل المقام، إشارة إلى أن من لم يعرف الفضل لأهله وينزلهم في منازلهم فليس من أهل الفضل، بل هو من أهل الجهل.
والمراد بالفضل هنا العلم، أو ما يشمله.
وفي الحديث:"أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنازِلَهُمْ".
واعلم أن في التواضع في المجلس، ومعرفة الفضل لأهله، وإنزالهم منزلتهم كما فعل أبو بكر - رضي الله عنه - إدخال السرور على صاحب المجلس، وعلى الجلساء، وعلى المتواضع له، والسلامة من إيقاع الوحشة بينهم، وتكدير المجلس، ووقوع أهله فيه لو نافس في المجلس من ضرب المثل به بعد ذلك، وانتشار قصته في الناس الموجودين ومن بعدهم كما يتفق الآن بين المتصدرين، وهو من غلبة جهلهم على علمهم إن سُلِّم لهم علم.
8 -ومنها: المماراة والمجادلة بالعلم، والمناظرة بغير إظهار الحق.
روى الدارمي، وأبو نعيم عن مسلم بن يسار رحمه الله تعالى أنه كان يقول: إياكم والمِراء؛ فإنه ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زَلَّته.
ولجدي شيخ الإسلام رضي الدين رحمه الله تعالى: من مجزوء الرجز
يا جاهِلاً وَهْوَ لأَهْـ ... ــــــــــــــلِ الْعِلْمِ لا يُسَلِّمُ
ارْجِعْ إِلَى الْحَقِّ وَإِنْ ... سُئِلْتَ قُلْ لا أَعْلَمُ
9 -ومنها: الدعوى لغير غرض صحيح، وتزكية النفس، والرضا عنها، واحتقار الناس دونها.