ثم ناقشهم القرآن بقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا .. أي إذا قيل للمشركين: تعالوا إلى العمل بما أنزل الله من الأحكام المؤيدة بالبراهين، وإلى الرسول المبلّغ لها والمبين لمجملها، أجابوا: يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا، فهم لنا أئمة قادة مشرّعون، ونحن لهم تبع.
فردّ الله عليهم مستفهما استفهاما إنكاريا: أيكفيهم ذلك، ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا أبدا من الشرائع، ولا يهتدون إلى مصلحة أو خير أصلا في الدين والدنيا، فهم يتخبطون في ظلمات الوثنية وخرافة المعتقدات، ويشرعون لأنفسهم بحسب أهوائهم، من وأد البنات، وشرب الخمور، وظلم الأيتام والنساء، وارتكاب الفواحش والمنكرات، وشن الحروب لأتفه الأسباب، وإثارة العداوة والبغضاء.
وهذا تنديد بالتقليد الأعمى والتعصب الموروث من غير وعي ولا إدراك،
كما قال تعالى في آيات كثيرة منها: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ: اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا، أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً، وَلا يَهْتَدُونَ [البقرة 2/ 170]
فقه الحياة أو الأحكام:
الله تعالى خالق الخلق هو مصدر الشرائع والأنظمة كلها للناس، وكل شرع لم يشرعه الله فهو مرفوض، وقد نفى الله تعالى في هذه الآيات تشريع أهل الضلال في الجاهلية، وأعلن لهم: ما سمّى الله، ولا سنّ ذلك حكما، ولا تعبّد به شرعا، وإن علم به وأوجده بقدرته وإرادته خلقا، فإن الله خالق كل شيء من خير وشر، ونفع وضرّ، وطاعة ومعصية.
ولو عقل الجاهليون لما فعلوا أصل الكفر والوثنية والشرك، ولما ضللوا أنفسهم بتحريم ما حرموا، فأي هدف يرتجى، وأي نفع يؤمّل، وأي مصلحة تعود عليهم من عبادة حجر لا يضرّ ولا ينفع، ومن تحريم أشياء لا فائدة ولا جدوى من تعطيل منافعها، وحجرها للأصنام؟!! ولو عقلوا أيضا لنظروا وفكروا فيما ورثوه، فاختاروا الصالح، وأعرضوا عن الفاسد، ولكنه التقليد الأعمى للآباء والأسلاف من غير روية ولا إمعان، ولا دراية ولا تفكير، فالتقليد أمر ضار، مناف للعلم والدين، مناقض للعقل والمصلحة.