يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أي يختلقون الكذب في ذلك، وفي نسبته إلى الله. وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ أن ذلك افتراء لأنهم قلدوا فيه آباءهم. إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ أي إلى حكمه من تحليل ما حرمتم. حَسْبُنا كافينا. ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا من الدين والشريعة. أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ استفهام إنكاري. وَلا يَهْتَدُونَ إلى الحق.
المناسبة:
كما نهى تعالى ومنع الناس من السؤال والبحث عن أمور ما كلفوا بالبحث عنها، كذلك منعهم عن التزام أمور ما كلفوا التزامها، وبيّن ضلال أهل الجاهلية فيما حرموه على أنفسهم وما شرعوه بغير إذن ربهم، وأن ذلك باطل، وأن التقليد باطل أيضا مناف للعلم والدين.
التفسير والبيان:
ما شرع الله أصلا تحريم هذه الأشياء الأربعة، وما حرّم البحيرة ولا السائبة، ولا الوصيلة، ولا الحامي، ولكن أهل الجاهلية بتحريمهم ما حرموا يفترون على الله الكذب، حيث ما كانوا يفعلون ما يفعلون، وينسبونه إلى شرع الله، وأكثرهم لا يفعلون أن ذلك افتراء على الله، وتعطيل للعقل والفكر، وكفر ووثنية وشرك، والله لا يأمر بالكفر ولا يرضاه لعباده.
وكان أول من حرم هذه المحرمات، وشرع للعرب عبادة الأصنام هو عمرو بن لحيّ الخزاعي، فهو الذي غيّر دين إبراهيم، وبحر البحيرة، وسيّب السائبة وحمى الحامي.
روى البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا، ورأيت عمرا يجرّ قصبه- أمعاءه- وهو أول من سيّب السوائب» .
وروى الطبري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لأكثم بن الجون: «يا أكثم، رأيت عمرو بن لحيّ بن قمعة بن خندف يجرّ قصبه- أمعاءه- في النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا به منك، فقال أكثم: أخشى أن يضرّني شبهه يا رسول الله، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا، إنك مؤمن، وهو كافر، إنه أول من غيّر دين إسماعيل، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، وحمى الحامي» .