فالكناية على هذا التفسير في قوله (سألها) تعود إلى الآيات. وهذا السؤال في هذه الآيات يخالف معناه معنى السؤال في قوله: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} وقوله: {وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا} ، ألا ترى أن السؤال في الآية الأولى قد عدي بالجار، وههنا عدي بغير الجار؛ لأن معنى السؤال ههنا طلب لعين الشيء ، كما تقول: سألتك درهما، أي: طلبته منك، والسؤال في الآية الأولى سؤال عن حال الشيء ، كما تقول: سألتك عن شيء ، أي عن حاله وهيئته وكيفيته. وإنما عطف عز وجل بقوله: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ} علي ما قبلها وليست بمثل نظمها في التأويل؛ لأنه عز وجل إنما نهاهم عن تكلف ما لم يكلفوا وهو مرتفع عنهم، وأعلمهم أنهم في هذا التكلف مثل أولئك على موسى وعيسى في تكلف ما لم يكلفوا، وطلب ما لم يعْنِهم مما كان الإعراض عنه أولى بهم، وأصلح لهم، وذلك مثل سؤال قوم موسى: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: 153] وقول بني إسرائيل: {لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، قال الله عز وجل: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا} [البقرة: 246] وقالوا: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ} [البقرة: 247] ألا تراهم قد سألوا ثم كفروا، وهذا معنى كلام أبي علي الجرجاني وبعض لفظه.
103 -قوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ} ، روى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: الجعل له معان في اللغة، يقال: جعل: صير، وجعل: أقبل، وجعل: خلق، وجعل: قال، ومنه قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 3] ، وقال غيره: صيرناه. ويكون الجعل بمعنى القول والحكم على الشيء ، تقول: قد جعلت زيداً على الناس، أي: قد وصفته بذلك وحكمت به، ومنه قوله تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} [الزخرف: 19] .