وأما من آمن إيمانًا مجملًا كالذي يولد بين أبوين مسلمين، ولم يتعرف على حقائق الإيمان, أو يكون حديث عهد بالإسلام، ولَمَّا يحقق الإيمان المشروط للانتفاع بالقرآن, فأمثال هؤلاء لو شُكِّكوا لشكُّوا؛ لعدم وجود ما يدرأ الريب عنهم, من علم القلب ومعرفته ومحبته ويقينه بدينه, فهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة, وإن ابتلوا بمن يُورِد عليهم شبهات توجب ريبهم, فإن لم يُنعم الله عليهم بما يزيل الريب, وإلا صاروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوع من النفاق دون أن يعلموا, فليحذر المسلم من السير خلف شهواته الفكرية, وإطلاق العنان لعقله الضعيف, ليبحر فيما ليس له به علم, متتبعًا الشبهات والمتشابهات مما يحسبه دلائل عقلية, وحقائق قطعية, وما هي إلا سراب يحسبه الظمآن ماء, وهو خلي عما يعصمه منها.
فهذا الصنف بعيد كل البعد عن الانتفاع بالهدي القرآني, والنور الرباني؛ لخلوه من الإيمان المعين على فهم القرآن، والازدياد به إيمانًا على إيمانه, ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم يتعلمون الإيمان قبل تعلم القرآن، ولهذا ثبت الإيمان في قلوبهم، فرضي الله عنهم ورضوا عنه, فعَنْ جُنْدُبٍ البجلي رضي الله عنه قَالَ: (( كُنَّا مَعَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِتْيَانًا حَزَاوِرَةَ فَتَعَلَّمْنَا الإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ فَنَزْدَادُ بِهِ إِيمَانًا، فَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ تَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ قَبْلَ الإِيمَانِ ) ). [أخرجه ابن ماجه في سننه والطبراني في الكبير بسند صحيح]
فالمقصود بتعلم الإيمان: أي اليقين بما جاء عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم, والاعتصام بذلك, والقطع بأنه الحق الذي لا يأتيه الباطل أبدًا, وعدم معارضة هذا الأصل بغيره كائنًا ما كان, والجزم بأن علوم الأولين والآخرين العقلية النافعة لا يمكن أن تغادر القرآن طرفة عين أو أقل من ذلك, فإذا تحقق ذلك, يصبح المؤمن مهيأً لتعلم القرآن، وفهم ما فيه من معان تحيا بها القلوب السليمة، التي ليس بينها وبين الحق سوى إدراكه.