وقد اختلف في هذه الأشياء المسئول عنها: هل هي أحكام قدرية أو أحكام شرعية؟ على قولين: فقيل: إنها أحكام شرعية عفا الله عنها أي سكت عن تحريمها فيكون سؤالهم عنها سبب تحريمها ولو لم يسألوا لكانت عفوا ومنه قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن الحج: أفي كل عام؟ فقال:"لو قلت نعم وجبت ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم"ويدل على هذا التأويل حديث أبي ثعلبة المذكور:"إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما"الحديث ومنه الحديث الآخر:"إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت"
عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها"وفسرت بسؤالهم عن أشياء من الأحكام القدرية كقول عبد الله بن حذافة:"من أبي يا رسول الله"وقول آخر:"أين أبي يا رسول الله"قال:"في النار"والتحقيق أن الآية تعم النهي عن النوعين وعلى هذا فقوله تعالى {إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} أما في أحكام الخلق والقدر فإنه يسؤهم أن يبدو لهم ما يكرهونه مما سألوا عنه وأما في أحكام التكليف فإنه يسؤهم أن يبدو لهم ما يشق عليهم تكليفه مما سألوا عنه."
وقوله تعالى {وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} فيه قولان: أحدهما أن القرآن إذا نزل بها ابتداء بغير سؤال فسألتم عن تفصيلها وعلمها أبدى لكم وبين لكم والمراد بحين النزول زمنه المتصل به لا الوقت المقارن للنزول وكأن في هذا إذنا لهم في السؤال عن تفصيل المنزل ومعرفته بعد إنزاله ففيه رفع لتوهم المنع من السؤال عن الأشياء مطلقا والقول الثاني أنه من باب التهديد والتحذير أي ما سألتم عنها في وقت نزول الوحي جاءكم بيان ما سألتم عنه بما يسؤكم والمعنى لا تتعروا للسؤال عما يسوءكم بيانه وإن تعرضتم له في زمن الوحي أبدي لكم.