فمن بعدهم - كذا في"فتح الباري".
ثم رأيت في"موافقات"الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى ، في أواخرها - في هذا الموضوع - مبحثاً جليلاً ، قال في أوله:
الإكثار من الأسئلة مذموم . والدليل عليه النقل المستفيض من الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح . من ذلك قوله تعالى ... - وساق هذه الآية وما أسلفناه من الآثار وزاد أيضاً عما نقلنا - ثم قال: والحاصل أن كثرة السؤال ومتابعة المسائل بالأبحاث العقلية والاحتمالات النظرية ، مذموم . وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وُعِظوا في كثرة السؤال حتى امتنعوا منه . وكانوا يحبون أن يجيء الأعراب فيسألون حتى يسمعوا كلامه ويحفظوا منه العلم . . ثم قال: ويتبيّن من هذا أن لكراهية السؤال مواضع ، نذكر منها عشرة مواضع:
أحدها: السؤال عمّا لا ينفع في الدين ، كسؤال عبد الله بن حذافة: مَن أبي ؟ وروي في"التفسير"أنه عليه السلام سئل: ما بال الهلال يبدو رقيقاً كالخيط ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدراً ثم ينقص إلى أن يصير كما كان ؟ فأنزل الله: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} [البقرة: 189] الآية ، فإنما أجيب بما فيه منافع الدين .
وثانيها: أن يسأل بعد ما بلغ من العلم حاجته ، كم سأل الرجل عن الحج: أكل عام ؟ مع أن قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْت} [آل عِمْرَان: 97] ، قاض بظاهره أنه للأبد ، لإطلاقه . ومثله سؤال بني إسرائيل بعد قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة} [البقرة: 67] .
وثالثها: السؤال من غير احتياجٍ إليه في الوقت ، وكأن هذا - والله أعلم - خاص بما لم ينزل فيه حكم ، وعليه يدل قوله: ( ذَرُوني ما تَرَكْتُكمْ ) . وقوله: ( وسكت عن أشياء رحمةً بكم ، لا عَنْ نسيان ، فلا تبحثوا عنها ) .
ورابعها: أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها ، كما جاء في النهي عن الأغلوطات .