وقَوْله تَعَالَى: {إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} مَعْنَاهُ: إنْ تَظْهَرْ لَكُمْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ فِيمَنْ سَأَلَ مِثْلَ سُؤَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ وَالرَّجُلِ الَّذِي قَالَ أَيْنَ أَنَا؛ لِأَنَّ إظْهَارَ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ لَا يَسُوءُ السَّائِلِينَ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَسْأَلُونَ عَنْهَا لِيَعْلَمُوا أَحْكَامَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا.
ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} يَعْنِي: فِي حَالِ نُزُولِ الْمَلَكِ وَتِلَاوَتِهِ الْقُرْآنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ يُظْهِرُهَا لَكُمْ وَذَلِكَ مِمَّا يَسُوءُكُمْ وَيَضُرُّكُمْ.
وقَوْله تَعَالَى: {عَفَا اللَّهُ عَنْهَا} يَعْنِي هَذَا الضَّرْبَ مِنْ الْمَسَائِلِ لَمْ يُؤَاخِذْكُمْ اللَّهُ بِهَا بِالْبَحْثِ عَنْهَا وَالْكَشْفِ عَنْ حَقَائِقِهَا.
وَالْعَفْوُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ التَّسْهِيلُ وَالتَّوَسُّعَةُ فِي إبَاحَةِ تَرْكِ السُّؤَالِ عَنْهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} وَمَعْنَاهُ: سَهَّلَ عَلَيْكُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (الْحَلَالُ مَا أَحِلَّ اللَّهُ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ) يَعْنِي تَسْهِيلٌ وَتَوَسُّعَةٌ؛ وَمِثْلُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {عَفَوْت لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ} . انتهى انتهى. {أحكام القرآن للجصاص حـ 3 صـ}