أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقُرْآنَ إذَا نَزَلَ بِهَا ابْتِدَاءً بِغَيْرِ سُؤَالٍ فَسَأَلْتُمْ عَنْ تَفْصِيلِهَا وَعِلْمِهَا أَبْدَى لَكُمْ وَبَيَّنَ لَكُمْ، وَالْمُرَادُ بِحِينِ النُّزُولِ زَمَنُهُ الْمُتَّصِلُ بِهِ، لَا الْوَقْتُ الْمُقَارِنُ لِلنُّزُولِ، وَكَأَنَّ فِي هَذَا إذْنًا لَهُمْ فِي السُّؤَالِ عَنْ تَفْصِيلٍ الْمُنَزَّلِ وَمَعْرِفَتِهِ بَعْدَ إنْزَالِهِ؛ فَفِيهِ رَفْعٌ لِتَوَهُّمِ الْمَنْعِ مِنْ السُّؤَالِ عَنْ الْأَشْيَاءِ مُطْلَقًا، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّهْدِيدِ وَالتَّحْذِيرِ، أَيْ مَا سَأَلْتُمْ عَنْهَا فِي وَقْتِ نُزُولِ الْوَحْيِ جَاءَكُمْ بَيَانُ مَا سَأَلْتُمْ عَنْهُ بِمَا يَسُوءُكُمْ، وَالْمَعْنَى لَا تَتَعَرَّضُوا لِلسُّؤَالِ عَمَّا يَسُوءُكُمْ بَيَانُهُ، وَإِنْ تَعَرَّضْتُمْ لَهُ فِي زَمَنِ الْوَحْيِ أَبْدَى لَكُمْ.
وَقَوْلُهُ: {عَفَا اللَّهُ عَنْهَا} [المائدة: 101] أَيْ عَنْ بَيَانِهَا خَبَرًا وَأَمْرًا، بَلْ طُوِيَ بَيَانُهَا عَنْكُمْ رَحْمَةً وَمَغْفِرَةً وَحِلْمًا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ؛ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عَفَا اللَّهُ عَنْ التَّكْلِيفِ بِهَا تَوْسِعَةً عَلَيْكُمْ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي عَفَا اللَّهُ عَنْ بَيَانِهَا لِئَلَّا يَسُوءَكُمْ بَيَانُهَا.
وَقَوْلُهُ: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ} [المائدة: 102] أَرَادَ نَوْعَ تِلْكَ الْمَسَائِلِ، لَا أَعْيَانَهَا، أَيْ قَدْ تَعَرَّضَ قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ لِأَمْثَالِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، فَلَمَّا بُيِّنَتْ لَهُمْ كَفَرُوا بِهَا، فَاحْذَرُوا مُشَابَهَتَهُمْ وَالتَّعَرُّضَ لِمَا تَعْرِضُوا لَهُ.