وعَقَّب عند عدمها بالصيام ، وبدأ بالطعام لأنه كان الأفضل في بلاد الحجاز لغلبة الحاجة إليه وعدم شبعهم ، ولا خلاف في أن كفّارة اليمين على التخيير ؛ قال ابن العربي: والذي عندي أنها تكون بحسب الحال ؛ فإن علمت محتاجاً فالطعام أفضل ؛ لأنك إذا أعتقت لم تدفع حاجتهم وزدت محتاجاً حادى عشر إليهم ، وكذلك الكسوة تليه ، ولما علم الله الحاجة بدأ بالمقدّم المهم.
الحادية والعشرون قوله تعالى: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} لا بدّ عندنا وعند الشافعي من تمليك المساكين ما يخرج لهم ، ودفعه إليهم حتى يتملكوه ويتصرفوا فيه ؛ لقوله تعالى: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} [الأنعام: 14] وفي الحديث"أَطْعَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجَدَّ السُّدس"؛ ولأنه أحد نوعي الكفّارة فلم يجز فيها إلا التمليك ؛ أصله الكسوة.
وقال أبو حنيفة: لو غدّاهم وعشاهم جاز ؛ وهو اختيار ابن الماجِشُون من عُلمائنا ؛ قال ابن الماجشُون: إنّ التمكين من الطعام إطعام ، قال الله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} [الإنسان: 8] فبأي وجه أطعمه دخل في الآية.
الثانية والعشرون قوله تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} قد تقدّم في"البقرة"أن الوسط بمعنى الأعلى والخيار ، وهو هنا منزلة بين منزلتين ونصفاً بين طَرفين.
ومنه الحديث"خير الأمور أوسطها"وخرج ابن ماجه ؛ حدّثنا محمد بن يحيى ، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدّثنا سفيان بن عُيَينة ، عن سليمان بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس قال: كان الرجل يَقُوت أهله قُوتاً فيه سَعة وكان الرجل يَقُوت أهله قُوتاً فيه شدَّة ؛ فنزلت: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} .
وهذا يدل على أن الوسط ما ذكرناه وهو ما كان بين شيئين.