وهي أيضا مرتبطة بما قبلها، فبعد أن مدح الله النصارى بأنهم أقرب مودة للمؤمنين بسبب وجود قسيسين ورهبان منهم، فهم بعض المؤمنين بأن في هذا ترغيبا في الرهبانية وتحسينا للتقشف والزهد، وذلك بترك الطيّبات من الطعام واللباس والنساء. فنهاهم تعالى عن منع أنفسهم من الطيبات، كالذي فعله القسيسون والرهبان، فحرموا على أنفسهم النساء والمطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة، وحبس في الصوامع بعضهم أنفسهم، وساح في الأرض بعضهم.
التفسير والبيان:
يا أيها المؤمنون لا تحرموا على أنفسكم ولا تمنعوها من الطيبات: وهي ما تستلذه الأنفس، لما فيها من المنافع، بأن تتركوا التمتع بها تقربا إلى الله، ولا تتعدوا حدود ما أحل الله إلى ما حرم عليكم، أو: ولا تسرفوا في تناول
الطيبات، أو: ولا تعتدوا بتحريم الطيبات، فكان الاعتداء شاملا أمرين:
الاعتداء في الشيء نفسه بالإسراف فيه، كقوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف 7/ 31] والاعتداء بتجاوزه إلى غيره من الخبائث.
وسبب النهي عما ذكر أن الله يبغض المعتدين ويعاقب المتجاوزين حدود شرعه، وتحريم حلاله ولو بقصد عبادته، سواء كان التحريم بيمين أو نذر أو بغيرهما.
وفي هذا انسجام مع مبدأ وسطية الإسلام واعتداله، فلا إسراف ولا تقتير، ولا امتناع عن المادية ولذائذ الحياة المشروعة، ولا رغبة في الرهبانية والزهد المؤدي إلى الكبت وتعذيب النفس وإضعاف الجسد وحرمانه، كما لا إغراق في الشهوات وانتهاب اللذات فوق القدر المعتاد المتوسط.
وبعد أن نهى تعالى عن منع النفس من طيبات الحياة، أمر بنحو إيجابي على سبيل الإباحة بالأكل مما أحلّ الله لكم وطاب، مما رزقكم الله من الحلال، لا من المحرّمات بنفسها كالميتة والدّم المسفوح ولحم الخنزير، ولا من الحرام بطريق الكسب كالرّبا والقمار والسرقة والسّحت وغير ذلك من أكل أموال الناس بالباطل.
وهذا يدلّ على أنّ الرّزق يتناول الحلال والحرام، ووجود الحرام للاختبار ومعرفة مدى مجاهدة النفس بحملها على ما أحلّه الله، ومنعها مما حرّمه الله.