88 - {وَكُلُوا} أيها المؤمنون {مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} تعالى وأعطاكم حالة كونه {حَلَالًا} في نفسه لا من المحرمات، كالميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير ونحو ذلك، وحالة كونه {طَيِّبًا} في كسبه وتناوله؛ بأن لا يكون رِبًا ولا سحتًا ولا سرقة ولا غصبًا مثلًا، مع كونه مستلذًا غير مستقذرٍ لذاته أو لطارئ يطرأ عليه من فساد أو تغير لطول مكث ونحوه. والأكل في الآية يراد به التمتع الشامل للشرب ونحوه، وإنما خص الأكل بالذكر؛ لأنه أغلب الانتفاع بالرزق من حلال غير مسكر ولا ضار، ومن كل طيب غير مستقذر في ذاته أو لطارئ عليه.
والخلاصة: أنه ينبغي للمؤمن أن يتمتع بما تيسر له من الطيبات بلا تأثم ولا تحرج، ويحضر قلبه أنه عامل بشرع الله مقيم لسنة الفطرة التي فطر الله الناس عليها، شاكرًا له بالاعتراف والحمد والثناء عليه، كما أن امتناعه عن الطيبات التي رزقه إياها مع الداعية الفطرية إلى الاستمتاع بها إثمٌ يجنيه على نفسه في الدنيا، ويستحق به عقاب الآخرة؛ لزيادته في دين الله قربات لم يأذن بها، ولإضاعة حقوق الله وحقوق عباده، كإضاعة حقوق امرأته وعياله.
والتحريم والتحليل تشريع، وهو من حقوق الله، فمن انتحله لنفسه كان مدعيًا الربوبية أو كالمدعي لها، وعن الحسن البصري: إن الله أدب عباده فأحسن أدبهم فقال: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} ما عاب الله قومًا وسع عليهم الدنيا، فتنعموا وأطاعوا، ولا عذر قومًا زواها عنهم فعصوه. وعنه أنه قيل له: فلان لا يأكل الفالوذج - حلواء تعمل من الدقيق والماء والعسل - ويقول: لا أؤدي شكره، قال: أفيشرب الماء البارد؟ قالوا: نعم، قال: إنه جاهل، إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثرُ من نعمته عليه في الفالوذج.