يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَلَا يَرْجِعُ هَذَانِ الْفَرِيقَانِ الْكَافِرَانِ , الْقَائِلُ أَحَدُهُمَا: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ؛ وَالْآخَرُ الْقَائِلُ: إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ , عَمَّا قَالَا مِنْ ذَلِكَ , وَيَتُوبَانِ بِمَا قَالَا وَقَطَعَا بِهِ مِنْ كُفْرِهِمَا , وَيَسْأَلَانِ رَبَّهُمَا الْمَغْفِرَةَ مِمَّا قَالَا. وَاللَّهُ غَفُورٌ لِذُنُوبِ التَّائِبِينَ مِنْ خَلْقِهِ , الْمُنِيبِينَ إِلَى طَاعَتِهِ بَعْدَ مَعْصِيَتِهِمْ , رَحِيمٌ بِهِمْ فِي قَبُولِهِ تَوْبَتَهُمْ وَمُرَاجِعَتِهِمْ إِلَى مَا يُحِبُّ مِمَّا يَكْرَهُ , فَيَصْفَحُ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ عَمَّا سَلَفَ مِنْ إِجْرَامِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) }
وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ احْتِجَاجًا لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فِرَقِ النَّصَارَى فِي قَوْلِهِمْ فِي الْمَسِيحِ. يَقُولُ مُكَذِّبًا لِلْيَعْقُوبِيَّةِ فِي قِيلِهِمْ: هُوَ اللَّهُ , وَالْآخَرِينَ فِي قِيلِهِمْ: هُوَ ابْنُ اللَّهِ: لَيْسَ الْقَوْلُ كَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةُ فِي الْمَسِيحِ , وَلَكِنَّهُ ابْنُ مَرْيَمَ وَلَدَتْهُ وِلَادَةَ الْأُمَّهَاتِ أَبْنَاءَهُنَّ , وَذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْبَشَرِ لَا مِنْ صِفَةِ خَالِقِ الْبَشَرِ , وَإِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ رَسُولٌ كَسَائِرِ رُسُلِهِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ فَمَضَوْا وَخَلَوْا , أَجْرَى عَلَى يَدِهِ مَا شَاءَ أَنْ يُجْرِيَهُ عَلَيْهَا مِنَ الْآيَاتِ وَالْعِبَرِ حُجَّةً لَهُ عَلَى صِدْقِهِ وَعَلَى أَنَّهُ لِلَّهِ رَسُولٌ إِلَى مَنْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ , كَمَا أَجْرَى عَلَى أَيْدِي مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ مِنَ الْآيَاتِ وَالْعِبَرِ حُجَّةً لَهُمْ عَلَى حَقِيقَةِ صِدْقِهِمْ فِي أَنَّهُمْ لِلَّهِ رُسُلٌ {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأُمُّ الْمَسِيحِ صِدِّيقَةٌ , وَالصِّدِّيقَةُ: الْفَعِيلَةُ مِنَ الصِّدْقِ , وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فُلَانٌ صِدِّيقٌ: فَعِيلٌ مِنَ الصِّدْقِ , وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ}