بعد أن بين سبحانه وتعالى كفر من يقول بالتثليث بيّن سبحانه وتعالى العقيدة الصحيحة، فقال سبحانه ذلك النص الحكيم، ومؤاده نفي الألوهية نفيا مطلقا عن غير إله واحد، والصيغة تفيد استحالة أن يكون الإله، غير واحد، لأنه لا ينتظم الكون والسماء والأرض، ومن فيهما كما جاء في قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) .
وكما أن في النص تقريرا لعقيدة التوحيد المستقيمة، فيه أيضا توبيخ موجه إليهم على مخالفتهم المعقول، ومجانبتهم ما يقره أهل العقول، ولذلك حذرهم سبحانه عن أن يسيروا في طريق الغي وأن يعودوا إلى الحق، فقال سبحانه:
(وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) هذا تحذير من الله سبحانه لهم عن أن يستمروا في هذا القول الكاذب على الله تعالى، وعلى رسوله المسيح - عليه الصلاة والسلام - ومعنى الانتهاء يتضمن أمرين: أن يعدلوا عن ذلك القول وألا يعتقدوه ولا يؤمنوا به، ولم يكتف بالانتهاء عن العقيدة، ولكن الله سبحانه ذكر انتهاء عن القول للإشارة إلى أن هذا كلام يقولونه، ولا يمكن أن يكون عقيدة يعتنقونها، لأنه كلام لَا يتفق مع العقل، وقد كذبهم عيسى - عليه السلام - بما قرره في دعوته، وبين أن الشرك ظلم عظيم، وأن من يشرك بالله مأواه جهنم، وحرم الله تعالى عليه الجنة.
والخلاصة: أن هذا الادعاء قول يرددونه معا فيلحدون به وهو باطل، إذ كيف يولد ويكون إلها، وقد هددهم بالعذاب الشديد يمسهم، وهنا إشارات بيانية:
الأولى - التعبير"يمسهم"إذ المراد أنه يصيب جلدهم، وهو موضع الإحساس فيهم، أي أن العذاب المؤلم مستمر؛ إذ يمس جلدهم، ويصيب موضع الإحساس فيهم.
الثانية - أن من هنا بيانية أي يمسهم ذلك العذاب ما داموا مصوين على قولهم وكذبهم، وقال: (الَّذِينَ) . وعبر بالظاهر دون الضمير للإشارة إلى سبب العذاب وهو كفرهم، لأن التعبير بالموصول يشير إلى أن الصلة هي سبب الحكم.