وإن الجهاد في الحق يوجب على المجاهد ألا يخشى غير الله، ولذلك وصف الله سبحانه أولئك المجاهدين بأنهم: (وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) . أي لا يخافون لومًا قط من أي لائم كائنا من كان، واللومة هي المرة من اللوم، وكان التعبير باللومة دون اللوم للمبالغة في نفي الخوف لأنها منكَّرة، ومن تصدر عنه منكَّر، أي لَا يخافون أي لومة سواء أكانت شديدة أو كانت رقيقة، ومن أي لائم سواء أكان كبيرا أم كان صغيرا، وسواء أكان ينفع ويضر أم كان لَا خير فيه، هذا ما ذكره المفسرون، ونلتمس وجها آخر للتعبير، باللومة، وهو أن التعبير بفعل المرة يفيد وقوع اللوم، لَا مجرد توقعه، أي أن هؤلاء لَا يخافون اللوم الواقع، بل يتحملونه مع ما فيه من ابتلاء واختبار قد يكون شديدا، وقد حبب الله تعالى لعباده الجهاد في سبيل رفع الحق، فقد جاء على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام:"أفضل الجهاد كلمة حق أمام سلطان جائر"وقال عليه السلام:"ألا لَا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لَا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق". وقال عليه السلام:"لا يحقرن أحدكم نفسه، بأن يرى أمرا لله فيه مقال فلا يقول فيه".
(ذَلِكَ فَضْل اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) الإشارة في هذا النص السامي، إما أن تكون لكل ما سبق من إيمان صادق، ومحبة من الله ورضوان منه، ومحبة من العبد ومعها الطاعة المطلقة لله ولرسوله، وتعاطف وتراحم بينهم، وشدة على أعدائهم وجهاد سبيله، وإما أن تكون لأقرب مذكور، وهو الجهاد في سبيل الله، واطراح لوم اللائمين وعدم الالتفات إليهم، وإنه على الاحتمالين ذلك من فضل الله تعالى، الذي يصطفي من عباده من يكون أهلا لذلك، ويعمل بإرادته ليصل إلى هذه، وكانت هذه الصفات من فضل الله تعالى؛ لأن الإخلاص لله تعالى، والفناء في محبته نعمة لَا يدركها إلا من يذوق حلاوتها، والتآلف بين المؤمنين والتعاطف والبر فضل كبير تعتز به الأمم، والوقوف أمام الأعداء، والجهاد في سبيله، والرضا به، والعمل فيه فوز عظيم لأنه حماية للحوزة، ومنع للذلة.