فإن قِيلَ: هل يجُوزُ أن يكُونَ فاعِلُهُ مَحْذُوفاً، أي: لا يَخَافُون لَوْمَة لائِمٍ إيَّاهم؟
فالجوابُ أنَّ ذلك لا يجُوز عند الجُمْهُور؛ لأنَّ المصدر المحدُودَ بتاء التَّأنيثِ لا يَعْمَل، فلو كان مَبْنيّاً على التَّاء عمل، كقوله: [الطويل]
1986 - فَلَوْلاَ رَجَاءُ النَّصْرِ مِنْكَ وَرَهْبَةٌ ... عِقَابَكَ قَدْ كَانُوا لَنَا بِالْموَارِدِ
فأعمل"رَهْبَة"؛ لأنه مَبْنِيٌّ على"التَّاء"، ولا يجُوز أن يعمل المَحْدُود بالتَّاءِ إلا في قَليلٍ في كلامهم؛ كقوله: [الطويل]
1987 - يُحَايِي بِه الْجَلْدُ الَّذِي هُوَ حَازِمٌ ... بِضَرْبَةِ كَفَّيْهِ المَلاَ وَهْوَ رَاكِبُ
يصف رَجُلاً سقى رَجُلاً مَاءً فأحْيَاهُ به، وتيمّم بالتُّراب.
والمَلاَ: التُّراب، فنصب"المَلاَ"بـ"ضَرْبة"، وهو مصدر محدُود بالتَّاء وأصل"لاَئِم": لاَوِم؛ لأنه من اللَّوْم، فَأعِلَّ كـ"قَائِم".
قوله تعالى:"ذلك"في المُشَار إليه ثلاثةُ أوجه:
أظهرُها: أنه جَمِيع ما تقدَّم من الأوْصَاف التي وُصِفَ بها القَوْم، من المحبّةِ، والذِّلَّة، والعِزَّة، والمُجَاهدة في سبيل الله، وانتِفَاء خوف اللاَّئِمَة من كل أحَدٍ، واسْمُ الإشارَة يَسُوغُ فيه ذلك، أعْنِي: أنه يقع بِلَفْظِ الإفْرَاد مُشَاراً به لأكثر مِنْ وَاحدٍ، وقد تقدَّم تَحْقِيقُهُ في قوله تعالى: {عَوَانٌ بَيْنَ ذلك} [البقرة: 68] .
والثاني: أنَّه مشار به إلى حُبِّ اللَّه لهم، وحُبِّهم لَهُ.
والثالث: أنَّه مشارٌ به إلى قوله:"أذِلَّةٍ"، أي: لِينُ الجَانِب، وترك التَّرَفُّع، وفي هذين تَخْصِيصٌ غير وَاضِح، وكأنَّ الحَامِل على ذلك من مَجِيء اسمِ الإشَارَةِ مُفْرَداً.
و"ذَلِك"مبتدأ، و"فَضْلُ الله"خبرُه.
و"يُؤتِيهِ"يحتمل ثلاثة أوجُه:
أظهرُهَا: أنه خَبَرٌ ثانٍ.
والثاني: أنه مُسْتَأنف.
والثالث: أنَّه في مَحَلِّ نصب على الحَالِ، كقوله تعالى: {وهذا بَعْلِي شَيْخاً} [هود: 72] . انتهى انتهى. {تفسير ابن عادل حـ 7 صـ 387 - 396} . باختصار.