وهذه اللذة تنقلب آلاما من أعظم الآلام كما قيل:
مآرب كانت في الحياة لأهلها عذابا فصارت في المعاد عذابا
النوع الثالث: لذة لا تعقب لذة في دار القرار ولا ألما يمنع وصول لذة دار القرار وإن منعت كمالها وهذه اللذة المباحة التي لا يستعان بها على لذة الآخرة فهذه زمانها يسير وليس لتمتع النفس بها قدر ولا بد إن يشتغل عما هو خير وأنفع منها.
وهذا القسم هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله"كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلاّ رمية بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنهن من الحق"فما أعان على اللذة المطلوبة لذاتها فهو حق وما لم يعن عليها فهو باطل.
فصل:
فهذا الحب لا ينكر ولا يذم بل هو أحد أنواع الحب وكذلك حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما نعني بالمحبة الخاصة وهي التي تشغل قلب المحب وفكره وذكره لمحبوبه وإلاّ فكل مسلم في قلبه محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا يدخل الإسلام إلاّ بها الكراهة متفاوتون في درجات هذه المحبة تفاوت لا يحصيه إلاّ الله فبين محبة الخليلين صلى الله عليه وسلم ومحبة غيرهما ما بينهما فهذه المحبة هي التي تلطف وتخفف أثقال التكاليف وتسخي البخيل وتشجع الجبان وتصفي الذهن وتروض النفس وتطيب الحياة على الحقيقة لا محبة الصور المحرمة وإذا بليت السرائر يوم اللقاء كانت سريرة صاحبها من خير سرائر العباد كما قيل:
سيبقى لكم في مضمر القلب والحشا سريرة حب يوم تبلي السرائر
وهذه المحبة هي التي تنور الوجه وتشرح الصدر وتحيي القلب وكذلك محبة كلام الله فإنه من علامة حب الله وإذا أردت إن تعلم ما عندك وعند غيرك من محبة الله فإنظر محبة القرآن من قلبك والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب الملاهي والغناء المطرب بسماعهم فإنه من المعلوم إن من أحب حبيبا كان كلامه وحديثه أحب شيئا إليه كما قيل
إن كنت تزعم حبي فلم هجرت كتابي
أما تأملت ما فيه من لذيذ خطابي