وقال ابن جرير الطبري: يحرفون حكم الكلم فحذف ذكر الحكم لمعرفة السامعين به {من بعد مواضعه} يعني من بعد أن وضعه الله مواضعه وفرض فروضه وأحلّ حلاله وحرّم حرامه فإن قلت: قد قال الله عز وجل هنا يحرفون الكلم من بعد واضعه.
وقال في موضع آخر: يحرفون الكلم عن مواضعه فهل من فرق بينهما؟ قلت نعم بينهما فرق وذلك أنّا إذا فسرنا يحرفون الكلم عن مواضعه بالتأويلات الباطلة فيكون معنى قوله يحرفون الكلم عن مواضعه أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص وليس فيه بيان أنهم يحرفون تلك اللفظة من الكتاب.
وأما قوله يحرفون الكلم من بعد مواضعه ففيه دلالة على أنهم جمعوا بين الأمرين يعني أنهم كانوا يذكرون التأويلات الفاسدة وكانوا يحرفون اللفظة من الكتاب ففي قوله: يحرفون الكلم عن مواضعه إشارة إلى التأويل الباطل وفي قوله من بعد مواضعه إشارة إلى إخراجه من الكتاب بالكلية وقوله تعالى: {يقولون} يعني اليهود {إن أوتيتم هذا فخذوه} يعني إن أفتاكم محمد بالجلد والتحميم فاقبلوامنه {وإن لم تؤتوه فاحذروا} يعني وإن لم يفتكم بذلك وأفتاكم بالرجم فاحذروا أن تقبلوه {ومن يرد الله فتنته} يعني كفره وضلالته {فلن تملك له من الله شيئاً} يعني فلن تقدر على دفع أمر الله فيك {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} قال ابن عباس معناه أن يخلص نياتهم وقيل معناه لم يرد الله أن يهديهم وفي هذه الآية دلالة على أن الله تعالى لم يرد إسلام الكافر وإنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك ولو فعل ذلك لآمن وهذه الآية من أشد الآيات على القدرية {لهم في الدنيا خزي} يعني للمنافقين واليهود أما خزي المنافقين، فبالفضيحة وهتك ستارهم بإظهار نفاقهم وكفرهم وأما خزي اليهود فبأخذ الجزية والقتل والسبي والإجلاء من أرض الحجاز إلى غيرها {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} يعني الخلود في النار للمنافقين واليهود. انتهى انتهى. {تفسير الخازن حـ 2 صـ}