هذا وقد أقاض علماء التفسير والنحو والبلاغة في هذه الآية ، ويتلخص مما أوردوه أن هناك ثلاثة تأويلات:
أ - إنه على حذف همزة الاستفهام أي: إني أريد أأن تبوء؟
وهو استفهام استنكاري لأن إرادة المعصية معصية.
ب - أن"لا"محذوفة ، تقديره: إني أريد أن لا تبوء بإثمي ، كقوله تعالى:"يبين اللّه لكم أن تضلوا"أي: أن لا تضلوا.
ج - إن الإرادة على حالها ، وهي إما إرادة مجازية أو حقيقية ، وجازت إرادة ذلك به لمعان ذكرها المفسرون ، ومن جملتها أنه ظهرت له قرائن تدل على قرب أجله ، وأن أخاه كافر ، وأن إرادة العقوبة بالكافر حسنة.
3 -جاء الشرط بلفظ الفعل ، وهو قوله: بسطت ، والجواب بلفظ اسم الفاعل ، وهو قوله:"ما أنا بباسط"لإفادة أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا العمل المنكر ، ولذلك أكده بالباء الزائدة المؤكدة للنفي.
المتنبي والاتساع:
وعلى كل حال تبدو هذه الآية والاتساع فيها مما يدق على الأفهام ، ولكنها دقة لازمة تنطوي على الكثير من المعاني المتصيّدة من الكلام. وقد رمق المتنبي سماءها فكثيرا ما كان يجنح إلى هذا الضرب من البلاغة فيدق كلامه. فمن اتساعه قوله:
لو لا مفارقة الأحباب ما وجدت لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
فظاهر الكلام يوحي بالبداهة الأولى أن"لها"جار ومجرور متعلقان بوجدت ، ولكن فيه تعدّي فعل الفعل الظاهر إلى ضميره المتصل ، وذلك ممتنع ، فيجب أن يقدر صفة في الأصل ل"سبلا"فلما تقدم عليه صار حالا ، كما أن قوله:"إلى أرواحنا"، كذلك إذ المعنى: سبلا مسلوكة إلى أرواحنا. ولك في"لها"وجه غريب ، وهو أن تقدر"لها"جمعا للهاة ، كحصى وحصاة ، وتكون"المنايا"مضافة إليها ، ويكون إثبات اللهوات للمنايا استعارة ، شبهت بشيء يبتلع الناس ، ويكون أقام اللها مقام الأفواه لمجاورة اللهوات للنعم ، فاللهاة بالفتح هي اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى سقف الفم.