إِنَّ الشُّعُوبَ الَّتِي تَنْشَأُ فِي مَهْدِ الِاسْتِبْدَادِ ، وَتُسَاسُ بِالظُّلْمِ وَالِاضْطِهَادِ ، تَفْسُدُ أَخْلَاقُهَا ، وَتَذِلُّ نُفُوسُهَا ، وَيَذْهَبُ بِأْسُهَا ، وَتُضْرَبُ عَلَيْهَا الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ، وَتَأْلَفُ الْخُضُوعَ ، وَتَأْنَسُ بِالْمَهَانَةِ وَالْخُنُوعِ ، وَإِذَا طَالَ عَلَيْهَا أَمَدُ الظُّلْمِ تَصِيرُ هَذِهِ الْأَخْلَاقُ مَوْرُوثَةً وَمُكْتَسَبَةً حَتَّى تَكُونَ كَالْغَرَائِزِ الْفِطْرِيَّةِ ، وَالطَّبَائِعِ الْخِلْقِيَّةِ . إِذَا أَخْرَجْتَ صَاحِبَهَا مِنْ بِيئَتِهَا وَرَفَعْتَ عَنْ رَقَبَتِهِ نِيرَهَا ، أَلْفَيْتَهُ يَنْزِعُ بِطَبْعِهِ إِلَيْهَا ، وَيَتَفَلَّتُ مِنْكَ لِيَتَقَحَّمَ فِيهَا ، وَهَذَا شَأْنُ الْبَشَرِ فِي كُلِّ مَا يَأْلَفُونَهُ ، وَيَجْرُونَ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ ، وَإِيمَانٍ وَكُفْرٍ ، وَقَدْ ضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلًا لِهِدَايَتِهِ وَضَلَالِ الرَّاسِخِينَ فِي الْكُفْرِ مِنْ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ ، فَقَالَ"مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا ، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ"
يَقَعْنَ فِيهَا ، وَيَجْعَلُ يَحْجِزُهُنَّ ، وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا ، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجُزِكُمْ عَنِ النَّارِ ، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهَا"رَوَاهُ الشَّيْخَانِ ."