وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا المعنى، ومن ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك» ومعنى (تربت يداك) : افتقرت وندمت إن لم تبحث عن ذات الدين، وتجعلها محط طلبك للزواج بها.
وروى أبو داود والنسائي عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فقال: إن أمرأتى لا تمنع يد لامس. قال صلى الله عليه وسلّم: «غربها - أي طلقها - » . قال: أخاف أن تتبعها نفسي - أي:
أرتكب معها ما نهى الله عنه بعد طلاقها - قال صلى الله عليه وسلّم: «فاستمتع بها» . أي أبقها مع المحافظة عليها.
4 -إباحة نكاح النساء الكتابيات - وهذا مذهب أكثر الفقهاء، لأن هذا هو الظاهر من معنى قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ.
قال ابن كثير: وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية ويقول: لا أعلم شركا أعظم من أن تقول: إن ربها عيسى، وقد قال الله - تعالى - وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ:
وعن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ فحجز الناس عنهن حتى نزلت: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ فنكح الناس نساء أهل الكتاب.
وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى ولم يروا بذلك بأسا أخذا بهذه الآية، وجعلوها مخصصة للتي في سورة البقرة وهي قوله - تعالى -: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها. وإلا فلا معارضة بينها وبينها لأن أهل الكتاب انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع. كقوله - تعالى - لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ.
وقال بعض العلماء ما ملخصه: قوله - تعالى -: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ أخذه الجمهور على عمومه، فأباحوا التزوج من أهل الكتاب وإن غيروا وبدلوا، ذميين كانوا أو حربيين. وقيده جماعة بالذميين دون الحربيين.