ابن عرفة: وفي الآية على ما فسرته أنا اللف والنشر، فالنور راجع لقوله (يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ) ، وقوله (وَكِتَابٌ مُبينٌ) راجع لقوله تعالى: (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) ؛ لأن النور كاشف لما وراءه فكشفَ باعتبار معناه، وباعتبار محله، وكونه في كتبهم وأخفوه، وكونه كتابا مبينا إشارة إلى استبانة معناه فقط.
قوله تعالى: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ ... (16) }
ابن عرفة: المراد الهداية الأعمية وهي التمكن من الشيء ، قال تعالى (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) ، أو الهداية الأخصية فإن أريد الأخصية وهي الإرشاد إلى طريق الحق لزم تحصيل الحاصل؛ لأن تتبع الرضوان هذا فلا فائدة في هدايته، قال: وأجيب بكون المعنى أن من اهتدى للإيمان ببعض الرسل وعمل بما علم من شريعته، ثم أرسل إليه رسول آخر، فإن الله تعالى ...] حصل عنده من العلم إلى الإيمان بهذا الرسول الثاني، وأن شريعته ناسخة لشريعة الرسول الذي كان قبله، فهي هداية أخصية مقولة بالتشكيك.
قيل لابن عرفة: كيف يفهم قوله تعالى: (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) مع أن الذي أرسل إليه الرسول الثاني بعد إيمانه بالأول لم يكن خبر إرسال الثاني في الظلمات، فقال: كان متمكنا لها وقائلا لها، وكان كفره بالثاني فكأنه حصل في الظلمات بناء على أن من ملك أن يملك يعد مالكا.
قال ابن عرفة: فإِن قلت: هذا مشكل بما أجاب به الزمخشري، في قوله تعالى: في الأنعام (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) قال: إنما أفرد النور وجمع الظلمات؛ لأن طرق الضلالة متعددة، وطريق الحق واحد، وهنا ينبغي تعدد طرق الحق، فأجاب ابن عرفة: بأن طرق الحق إن تعددت فهي موصلة لشيء واحد، وطرق الضلال إذا تعددت توصل إلى ضلالات متعددة؛ لأن أنواع الكفر متعددة كاليهود والنصارى والمجوس وغيرهم.