الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) }
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ فِيمَا ذُكِرَ لَمَّا دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَبِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ , قَالُوا: مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ بَعْدَ مُوسَى , وَلَا أَنْزَلَ بَعْدَ التَّوْرَاةِ كِتَابًا
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَعُقْبَةُ بْنُ وَهْبٍ لِلْيَهُودِ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ , اتَّقُوا اللَّهَ , فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ , لَقَدْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَهُ لَنَا قَبْلَ مَبْعَثِهِ , وَتَصِفُونَهُ لَنَا بِصِفَتِهِ. فَقَالَ رَابِعُ بْنُ حَرْمَلَةَ وَوَهْبُ بْنُ يَهُوذَا: أَمَا قُلْنَا هَذَا لَكُمْ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ بَعْدَ مُوسَى , وَلَا أَرْسَلَ بَشِيرًا وَلَا نَذِيرًا بَعْدَهُ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} قَدْ جَاءَكُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ}
يَقُولُ:"يُعَرِّفُكُمُ الْحَقَّ , وَيُوَضِّحُ لَكُمْ أَعْلَامَ الْهُدَى , وَيُرْشِدُكُمْ إِلَى دِينِ اللَّهِ الْمُرْتَضَى."
عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , جَاءَ بِالْفُرْقَانِ الَّذِي فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ , فِيهِ بَيَانُ اللَّهِ وَنُورُهُ وَهُدَاهُ , وَعِصْمَةٌ لِمَنْ أَخَذَ بِهِ يَقُولُ: عَلَى انْقِطَاعِ مِنَ الرُّسُلِ.