وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَمَرَ الَّذِي أَبَاحَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ صَلَاتَهُ خَوْفًا مِنْ عَدُوِّهِ أَنْ يَفْتِنَهُ , أَنْ يُقِيمَ صَلَاتَهُ إِذَا اطْمَأَنَّ وَزَالَ الْخَوْفُ , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الَّذِيَ فُرِضَ عَلَيْهِ مِنْ إِقَامَةِ ذَلِكَ فِي حَالِ الطُّمَأْنِينَةِ , عَيْنُ الَّذِي كَانَ أُسْقِطَ عَنْهُ فِي حَالِ الْخَوْفِ , وَإِذْ كَانَ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِ فِي حَالِ الطُّمَأْنِينَةِ إِقَامَةَ صَلَاتِهِ , فَالَّذِي أُسْقِطَ عَنْهُ فِي غَيْرِ حَالِ الطُّمَأْنِينَةِ تَرْكُ إِقَامَتِهَا.
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ تَرْكَ إِقَامَتِهَا , إِنَّمَا هُوَ تَرْكُ حُدُودِهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102) }
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَإِذَا كُنْتَ فِي الضَّارِبِينَ فِي الْأَرْضِ مِنْ أَصْحَابِكَ يَا مُحَمَّدُ الْخَائِفِينَ عَدُوَّهُمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ {فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ}
يَقُولُ:"فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ بِحُدُودِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا , وَلَمْ"
تَقْصُرْهَا الْقَصْرَ الَّذِي أَبَحْتُ لَهُمْ أَنْ يَقْصُرُوهَا فِي حَالِ تَلَاقِيهِمْ وَعَدُوِّهِمْ وَتَزَاحُفِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ , مِنْ تَرْكِ إِقَامَةِ حُدُودِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَسَائِرِ فُرُوضِهَا {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ}