وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى الْجُنُبِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْغَرِيبُ الْبَعِيدُ , مُسْلِمًا كَانَ أَوْ مُشْرِكًا , يَهُودِيًّا كَانَ أَوْ نَصْرَانِيًّا؛
لِمَا بَيَّنَّا قَبْلُ أَنَّ الْجَارَ ذِي الْقُرْبَى: هُوَ الْجَارُ ذُو الْقَرَابَةِ وَالرَّحِمِ , وَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَارُ ذُو الْجَنَابَةِ الْجَارَ الْبَعِيدِ , لِيَكُونَ ذَلِكَ وَصِيَّةً بِجَمِيعِ أَصْنَافِ الْجِيرَانِ , قَرِيبِهِمْ وَبَعِيدِهِمْ.
وَبَعْدُ فَإِنَّ الْجُنُبَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْبَعِيدُ كَمَا قَالَ أَعْشَى بَنِي قَيْسٍ:
[البحر الطويل]
أَتَيْتُ حُرَيْثًا زَائِرًا عَنْ جَنَابَةٍ ... فَكَانَ حُرَيْثٌ فِي عَطَائِيَ جَامِدَا
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: عَنْ جَنَابَةٍ: عَنْ بُعْدٍ وَغُرْبَةٍ , وَمِنْهُ قِيلَ: اجْتَنَبَ فُلَانٌ فُلَانًا: إِذَا بَعُدَ مِنْهُ. وتَجَنَّبَهُ خَيْرَهُ: إِذَا مَنَعَهُ إِيَّاهُ؛ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْجُنُبِ: جُنُبٌ , لِاعْتِزَالِهِ الصَّلَاةَ حَتَّى يَغْتَسِلَ. فَمَعْنَى ذَلِكَ: وَالْجَارُ الْمُجَانِبُ لِلْقَرَابَةِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ رَفِيقُ الرَّجُلِ فِي سَفَرِهِ
عَنْ مُجَاهِدٍ: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} الرَّفِيقُ فِي السَّفَرِ , مَنْزِلُهُ مَنْزِلُكَ , وَطَعَامُهُ طَعَامُكَ , وَمَسِيرُهُ مَسِيرُكَ""
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ امْرَأَةُ الرَّجُلِ الَّتِي تَكُونُ مَعَهُ إِلَى جَنْبِهِ
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الَّذِي يَلْزَمُكَ وَيَصْحَبُكَ رَجَاءَ نَفْعِكَ
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عِنْدِي: أَنَّ مَعْنَى: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} الصَّاحِبُ إِلَى الْجَنْبِ , كَمَا يُقَالَ: فُلَانٌ بِجَنْبِ فُلَانٍ وَإِلَى جَنْبِهِ , وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَنَبَ فُلَانٌ فُلَانًا فَهُوَ يَجْنَبُهُ جَنْبًا , إِذَا كَانَ لِجَنْبِهِ , وَمِنْ ذَلِكَ: جَنَبَ الْخَيْلَ , إِذَا قَادَ بَعْضَهَا إِلَى جَنْبِ بَعْضٍ. وَقَدْ يَدْخُلُ فِي هَذَا الرَّفِيقُ فِي السَّفَرِ , وَالْمَرْأَةُ , وَالْمُنْقَطِعُ إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي يُلَازِمُهُ رَجَاءَ نَفْعِهِ , لِأَنَّ كُلَّهُمْ بِجَنْبِ الَّذِي هُوَ مَعَهُ وَقَرِيبٌ مِنْهُ , وَقَدْ أَوْصَى اللَّهُ تَعَالَى بَجِمِيعِهِمْ لِوُجُوبِ حَقِّ الصَّاحِبِ عَلَى الْمَصْحُوبِ.