ولكن الموقف يختلف مع الكافر ، فلن يلحق الله به أحدا وكل واحد سيأخذ ناره ، وحتى لا يأنسوا مع بعضهم وهم في النار ، فالأنس لن يطولوه أيضا ، فكل واحد في ناره تماما مثل الحبس المنفرد في زنزانة. ولن يأنس واحد منهم بمعذب الآخر. إذن فهناك {جَنَّاتٍ} و {نَار} و {خَالِدِينَ} و {خَالِداً} ، وكل استخدام للكلمة له معنى. والطائع له جنات يأتنس فيها بذريته وإخوته أهل الإيمان ويكونون خالدين جميعا في الجنات ، أما العاصي فهو في النار وحده خالدا {وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} .
إن العذاب يكون مرة أليما ، ومثال ذلك أن يؤلم واحد عدوه فيتجلد عدوه حتى لا يرى شماتة الذي يعذبه. ويقول الشاعر: وتجلدي للشامتين أريهمو أني لريب الدهر لا أتضعضع
فيكتم الألم عن خصمه ، لكن هذا في الدنيا ، أما في الآخرة فهناك إهانة في النفس ، فعذاب الله يجمع الألم والإهانة ، إياك أن تفهم أن هناك من يقدر على أن يتجلد كما يتجلد البشر عند وقوع العذاب في الدنيا - إن عذاب الآخرة مهين ومذل للنفس في آن واحد.
وهكذا نجد أن المرحلة الأولى من سورة النساء عالجت وحدة الإنسان أبا ، ووحدته أما ، وعالجت كيف بث الله منهما رجالا كثيرا ونساء. وعالجت السورة أيضا ما يطرأ مما يجري به قدر الله في بعض خلقه بأن يتركوا أيتاما ضعافا ، وأنه سبحانه أراد استبقاء الحياة الكريمة للنفس الإنسانية ؛ لذلك طلب أن نصنع الخير والمودة مع اليتامى ، ووضع أسلوب التعامل الإيماني معهم ، وأن نكون أوصياء قائمين بالعدالة والإرادة الحسنة العفيفة لأموالهم ، إلى أن يبلغوا سن الرشد فيتسلموها.