لِمَعْنَاهَا ، فَإِنَّ مَنْ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ - كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ - وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْخُلُودِ مِنْ قَبْلُ ، وَسَيَأْتِي فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ أَيْضًا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِأَنَّهُ الصَّافِي الدَّائِمُ الَّذِي لَا يُذْكَرُ بِجَانِبِهِ الْفَوْزُ بِحُظُوظِ الدُّنْيَا الْقَصِيرَةِ الْمُنَغَّصَةِ بِالشَّوَائِبِ وَالْأَكْدَارِ .
وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَقَدْ جِيءَ بِالْحَالِ هُنَا مُفْرَدًا كَالضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي قَوْلِهِ: يُدْخِلْهُ فَقَالَ: خَالِدًا مُرَاعَاةً لِلَفْظِ مَنْ وَقَدِ اخْتَارَ الْأُسْتَاذُ فِي نُكْتَةِ ذَلِكَ أَنَّ فِي ذِكْرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ إِشَارَةً إِلَى تَمَتُّعِهِمْ بِالِاجْتِمَاعِ ، وَأُنْسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ، وَالْمُنْعِمُ يَسُرُّهُ أَنْ يَكُونَ مَعَ غَيْرِهِ ، قَالَ الْمَعَرِّي الْحَكِيمُ:
وَلَوْ أَنِّي حُبِيتُ الْخُلْدَ وَحْدِي ... لَمَا أَحْبَبْتُ بِالْخُلْدِ انْفِرَادَا
وَأَمَّا مَنْ قَذَفَهُ عِصْيَانُهُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي النَّارِ فَإِنَّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَا يَمْنَعُهُ عَنِ الْأُنْسِ بِغَيْرِهِ ، فَهُوَ وَحِيدٌ لَا يَجِدُ لَذَّةً فِي الِاجْتِمَاعِ بِغَيْرِهِ وَلَا أُنْسًا ، فَلَمَّا كَانَ لَا يَتَمَتَّعُ بِمَنْفَعَةٍ مِنْ مَنَافِعِ الِاجْتِمَاعِ كَانَ كَأَنَّهُ وَحِيدٌ ، وَالتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ خَالِدًا يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا
الْمَعْنَى الَّذِي اخْتَارَهُ شَيْخُنَا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [43: 39] .