صور من اتباع السلف لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم:
* بلغ ابن أبى ذئب أن مالكًا لم يأخذ بحديث البيّعين بالخيار، قال: يستتاب و إلا ضربت عنقه، ومالك لم يردّ الحديث، ولكن تأوله على غير ذلك، فقال شامي: من أعلم مالك، أو ابن أبي ذئب؟ فقال: ابن أبي ذئب في هذا أكبر من مالك، وابن أبي ذئب أصلح في دينه, و أورع ورعًا, وأقوم بالحق من مالك عند السلاطين، وقد دخل ابن أبي ذئب على أبى جعفر فلم يهبه أن قال له الحق، قال: الظلم فاش ببابك، وأبو جعفر أبو جعفر!!
* جاء معاذ وعند أبى موسى رجل، فقال: هذا كان كافرًا فأسلم ثم ارتد، فقال معاذ: لا أنزل ولا أجلس حتى يقتل، قال: فقتل.
* عن علي أنه قال لعمر: يا أمير المؤمنين إن سرَّك أن تلحق بصاحبيك فاقصر الأمل، وكل دون الشبع، وانكس الإزار، وأرقع القميص، واخصف النعل تلحق بهما.
* عن زيد بن حباب قال: رأيت سفيان الثوري يقص أظفاره يوم الخميس، فقلت يا أبا عبد الله: غدًا الجمعة، فقال: السنة لا تؤخر.
* عن أبي عطاء أيوب بن طهمان الثقفي: أنه رأى علي بن أبي طالب حين دخل الإيوان بالمدائن أمر بالتماثيل التي في القبلة فقطع رؤوسها ثم صلى.
* قال الجنيد بن محمد: عِلمنا هذا - يعني علم التصوف - مشبك بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
* عن أبي إسحاق المروزي أنه سئل يومًا أبا سعيد عن المتوفي عنها زوجها إذا كانت حاملًا هل يجب لها النفقة؟ فقال: نعم. فقيل له: ليس هذا مذهب الشافعي فلم يصدق, فأروه كتابه فلم يرجع وقال: إن لم يكن مذهبه فهو مذهب علي وابن عباس.
* عن عبد الله بن عدي الحافظ قال: سمعت محمد بن عبد الله الشافعي - وهو الفقيه الصيرفي صاحب الأصول - يخاطب المتعلمين لمذهب الشافعي ويقول لهم: اعتبروا بهذين حسين الكرابيسي وأبو ثور, والحسين في علمه وحفظه, وأبو ثور لا يعشره في علمه, فتكلم فيه أحمد بن حنبل في باب اللفظ فسقط, وأثنى على أبي ثور فارتفع للزومه السنة.
من أسباب الابتداع ترك الاتباع:
* عن الفضل بن زياد قال: سألت أبا عبد الله عن الكرابيسي وما أظهره فكلح وجهه، ثم أطرق, ثم قال: هذا قد أظهر رأي جهم, قال:) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ( [التوبة: 6] , فممن يسمع؟ وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «فله الأمان حتى يسمع كلام الله» , إنما جاء بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها, تركوا آثار رسول الله وأصحابه, وأقبلوا على هذه الكتب.
* عن حميد بن الصباح مولى المنصور عن أبيه قال: أراد المنصور أن يذرع الكرخ، فقال لي: احمل الذراع معك، فخرج وخرجت معه ونسيت أن أحمل الذراع، فلما صرنا بباب الشرقية قال لي: أين الذراع؟ فدهشت وقلت: أنسيته يا أمير المؤمنين. فضربني بالمقرعة, فشجني وسال الدم على وجهي، فلما رآني قال: أنت حر لوجه الله، حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من ضرب عبده في غير حد حتى يسيل دمه, فكفارته عتقه» .
* عن عبد الرحمن بن مهدي قال: رأيت سفيان الثوري في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: لم يكن إلا أن وضعت في اللحد حتى وقفت بين يدي الله تعالى, فحاسبني حسابًا يسيرًا, ثم أمر بي إلى الجنة، فبينما أنا أدور بين أشجارها وأنهارها, ولا أسمع حسًا, ولا حركة، إذ سمعت قائلًا يقول: سفيان بن سعيد؟! فقلت: سفيان بن سعيد, قال: تحفظ أنك آثرت الله على هواك يومًا ما؟ قال: قلت: إي والله, فأخذني صواني النثار من جميع الجنة.
* عن عبد الله بن أحمد قال: لم يسمع أبي من شعيب بن حرب ببغداد إنما سمع منه بمكة، قال أبي: جئنا إليه أنا وأبو خيثمة, وكان ينزل مدينة أبى جعفر على قرابة له، قال فقلت: لأبي خيثمة سله، قال: فدنا إليه فسأله فرأى كمه طويلًا، فقال: من يكتب الحديث يكون كمه طويلًا! يا غلام هات الشفرة, قال: فقمنا ولم يحدثنا بشيء.
* عن محمد بن مغلس قال: حدثنا شعيب بن محرز - ودخلت عليه بالبصرة وأنا أجر إزارى - فقال لي: ارفع يا شاب إزارك؛ فإن شعبة أبا بسطام أخبرني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار» .
* عن عبد الله بن عكيم قال: كنا عند حذيفة بالمدائن فاستسقى دهقانا, فجاءه بماء في إناء من فضة، فحذفه به حذيفة - وكان رجلًا فيه حدة - فكرهوا أن يكلموه، ثم التفت إلى القوم فقال: أعتذر إليكم من هذا؛ إني كنت تقدمت إليه أن لا يسقيني في هذا، ثم قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام فينا فقال: «لا تشربوا في آنية الفضة والذهب، ولا تلبسوا الديباج والحرير؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» .
* عن عبد الرحمن الطبيب - وهو طبيب أحمد بن حنبل وبشر الحافي - قال: اعتلا جميعًا في مكان واحد فكنت أدخل إلى بشر فأقول له: كيف تجدك يا أبا نصر؟ قال: فيحمد الله ثم يخبرني فيقول: أحمد الله إليك أجد كذا وكذا، وأدخل إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل فأقول: كيف تجدك يا أبا عبد الله؟ فيقول: بخير، فقلت له يومًا: إن أخاك بشرًا عليل, واسأله عن خبره, فيبدأ بحمد الله ثم يخبرني، فقال: سله عمن أخذ هذا؟ فقلت له: إني أهاب أن أسأله، فقال: قل له: يقول لك أخوك أبو عبد الله: عمن أخذت هذا؟ قال: فدخلت عليه فعرفته ما قال فقال لي: أبو عبد الله لا يريد الشيء إلا بالإسناد: أزهر عن ابن عون عن ابن سيرين: إذا حمد الله العبد قبل الشكوى لم تكن شكوى وإنما أقول لك أجد كذا أعرف قدرة الله في، قال: فخرجت من عنده فمضيت إلى أبي عبد الله فعرفته ما قال، قال: وكنت بعد ذلك إذا دخلت إليه يقول: أحمد الله إليك: ثم يذكر ما يجده
* عن عيسى بن أحمد بن عثمان الهمداني قال: كان عبد العزيز بن عبد الله الداركي إذا جاءته مسألة يستفتى فيها تفكر طويلًا, ثم أفتى فيها, وربما كانت فتواه خلاف مذهب الشافعي وأبي حنيفة رضي الله وتعالى عنهما، فيقال له في ذلك، فيقول: ويحكم حدث فلان عن فلان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكذا وكذا, والأخذ بالحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى من الأخذ بقول الشافعي وأبي حنيفة إذا خالفاه.
* عن الحكم بن عمرو الغفاري قال: دخلت أنا وأخي رافع بن عمرو, وأنا مخضوب بالحناء وأخي رافع مخضوب بالصفرة، فقال لي: عمر هذا خضاب الإسلام، وقال لأخي رافع: هذا خضاب الإيمان.
* عن محمد بن سماعه قال: كان عيسى بن أبان حسن الوجه وكان يصلي معنا, وكنت أدعوه أن يأتي محمد بن الحسن، فيقول: هؤلاء قوم يخالفون الحديث، وكان عيسى حسن الحفظ للحديث, فصلى معنا يومًا الصبح وكان يوم مجلس محمد فلم أفارقه حتى جلس في المجلس فلما فرغ محمد أدنيته إليه وقلت: هذا ابن أخيك أبان بن صدقة الكاتب, ومعه ذكاء ومعرفة بالحديث, وأنا أدعوه إليك فيأبى ويقول: إنا نخالف الحديث فأقبل عليه وقال له: يا بني ما الذي رأيتنا نخالفه من الحديث لا تشهد علينا حتى تسمع منا، فسأله يومئذ عن خمسة وعشرين بابًا من الحديث, فجعل محمد بن الحسن يجيبه عنها, ويخبره بما فيها من المنسوخ ويأتي بالشواهد والدلائل, فالتفت إلي بعد ما خرجنا فقال: كان بيني وبين النور ستر فارتفع عني، ما ظننت أن في ملك الله مثل هذا الرجل يظهره للناس، ولزم محمد بن الحسن لزومًا شديدًا حتى تفقه به.
* عن ابن عبد الله بن مغفل قال: سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أعوذ بك من النار وحميمها وغساقها وسلاسلها وأغلالها وأنكالها, وأسألك الجنة ونعيمها وأزواجها، وأسألك القصر الأبيض الذي عن يمين الجنة، فقال: يا بني إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «سيأتي قوم يعتدون في الدعاء, وإني أعيذك بالله أن تكون منهم إذا أعطيت الجنة أعطيت كل ما عددت فيها, وإذا آجرت من النار أجرت مما عددت فيها ومما لم تعد» .
* عن مقاتل بن حيان قال: كتب عامل عمر بن عبد العزيز على الموصل إلى عمر: أن رجلًا أحرق كدسًا له, فطارت شرارة فأحرقت بيادر الناس وأكداسهم، قال: فكتب إليه عمر: أنه بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «العجماء جبار، ألا وإن الجبار لا غرم فيه» .
* عن عبد الرزاق بن سليمان بن علي بن الجعد عن أبيه قال: لما أحضر المأمون أصحاب الجوهر، فناظرهم على متاع كان معهم, ثم نهض المأمون لبعض حاجته ثم خرج, فقام كل من كان في المجلس إلا ابن الجعد فإنه لم يقم، قال: فنظر إليه المأمون كهيئة المغضب ثم استخلاه فقال له: يا شيخ ما منعك أن تقوم لي كما قام أصحابك؟ قال اجللت أمير المؤمنين للحديث الذي نأثره عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: وما هو؟ قال علي بن الجعد: سمعت المبارك بن فضالة يقول: سمعت الحسن يقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار» ، قال: فأطرق المأمون متفكرًا في الحديث, ثم رفع رأسه فقال: لا يشترى إلا من هذا الشيخ، قال: فاشترى منه ذلك اليوم بقيمة ثلاثين ألف دينار.
* عن عبد الملك بن قريب الأصمعي أنه قال: كنت عند الرشيد يومًا, فرفع إليه في قاضٍ كان قد استقضاه يقال له: عافية، فكبر عليه فأمر بإحضاره، وكان في المجلس جمع كثير، فجعل أمير المؤمنين يخاطبه ويوقفه على ما رفع إليه وطال المجلس، ثم إن أمير المؤمنين عطس فشمته من كان بالحضرة ممن قرب منه سواه, فإنه لم يشمته فقال له الرشيد: ما بالك لم تشمتني كما فعل القوم؟ فقال له عافية: لأنك يا أمير المؤمنين لم تحمد الله, فلذلك لم اشمتك، هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - عطس عنده رجلان فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر فقال يا رسول الله: مالك شمت ذلك ولم تشمتني؟ قال: «لأن هذا حمد الله فشمتناه, وأنت فلم تحمده فلم أشمتك» ، فقال له الرشيد: ارجع إلى عملك أنت لم تسامح في عطسة تسامح في غيرها، وصرفه منصرفًا جميلًا, وزبر القوم الذين كانوا رفعوا عليه.
* عن المدائني قال: مر المنصور بفَرج بن فَضالة فلم يقم له، فقيل له في ذلك، فقال: خشيت أن يسألني لِمَ قمت؟ ويسأله لِمَ رضيت؟.
* وفي رواية أنه: أقبل المنصور يومًا راكبًا - والفرج بن فضالة جالس عند باب الذهب - فقام الناس، فدخل من الباب ولم يقم له الفرج, واستشاط غضبًا ودعا به، فقال له: ما منعك من القيام حين رأيتني؟ قال: خفت أن يسألني الله عنه لِمَ فعلت؟ ويسألك لِمَ رضيت؟ وقد كرهه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, قال: فبكى المنصور وقربه وقضى حوائجه.
* عن مبارك بن فضالة قال: وفدا بن سوار في وفد من أهل البصرة إلى أبي جعفر، فإنا لعنده ذات يوم, إذ أتي برجل فأمر بقتله, فقلت في نفسي: يقتل رجل من المسلمين وأنا حاضر، فقلت: يا أمير المؤمنين ألا أحدثك حديثًا سمعته من الحسن؟ قال: وما هو؟ قلت: حدثنا الحسن قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة جمع الناس في صعيد واحد حيث يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، فيقوم مناد من عند الله فيقول: ليقومن من له على الله يد، فلا يقومن إلا من عفا» فأقبل عليَّ فقال: آلله لسمعته من الحسن؟ قال قلت: آلله لسمعته من الحسن، قال: خليا عنه.
* عن أبي حنيفة قال: لقيت عطاء بمكة، فسألته عن شيء، فقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، قال: أنت من أهل القرية الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا؟ قلت: نعم، قال: فمن أي الأصناف أنت؟ قلت: ممن لا يسب السلف، ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحدًا بذنب قال: فقال لي عطاء: عرفت فالزم.
* عن خرزاذ القائد قال: كنت عند الرشيد، فدخل أبو معاوية الضرير وعنده رجل من وجوه قريش، فجرى الحديث إلى أن خرج أبو معاوية إلى حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة: أن موسى لقي آدم فقال: أنت آدم الذي أخرجتنا من الجنة .. وذكر الحديث، فقال القرشي: أين لقى آدم موسى؟ قال: فغضب الرشيد وقال: النطع والسيف, زنديق والله يطعن في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فما زال أبو معاوية يسكنه ويقول: كانت منه بادرة ولم يفهم يا أمير المؤمنين، حتى سكنه.
* عن أبي يوسف القاضي أنه قال - عند وفاته: كل ما أفتيت به فقد رجعت عنه إلا ما وافق كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
* عن أبي بكر الخراساني قال: تبعت أحمد بن حنبل يوم الجمعة إلى مسجد الجامع, فقام عند قبة الشعراء يركع والأبواب مفتحة, وكان يتطوع ركعتين ركعتين، فمر بين يديه سائل فمنعه منعًا شديدًا, وأراد السائل أن يمر بين يديه، فقمنا إلى السائل فنحيناه.
* سأل جعفر بن نصير بكران الدينوري - وكان يخدم الشبلي ما الذي رأيت منه - يعني عند وفاته -؟ فقال: قال لي: علي درهم مَظلمة, وتصدقت عن صاحبه بألوف فما على قلبي شغل أعظم منه، ثم قال: وضيني للصلاة، ففعلت فنسيت تخليل لحيته وقد أمسك على لسانه, فقبض على يدي وأدخلها في لحيته ثم مات، فبكى جعفر وقال: ما تقولون: في رجل لم يفته في آخر عمره أدب من آداب الشريعة؟!.
* عن سعيد بن عمرو البرذعي قال: شهدت أبا زرعة - وسئل عن الحارث المحاسبي وكتبه - فقال للسائل: إياك, وهذه الكتب, هذه كتب بدع, وضلالات, عليك بالأثر؛ فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب, قيل له: في هذه الكتب عبرة, قال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة, فليس له في هذه الكتب عبرة, بلغكم أن مالك بن أنس, وسفيان الثوري, و الأوزاعي والأئمة المتقدمين صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس, وهذه الأشياء, هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم يأتونا مرة بالحارث المحاسبي, ومرة بعبد الرحيم الديبلي, ومرة بحاتم الأصم, ومرة بشقيق, ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع.