* قتل للمعافي بن عمران ابنان في واقعة الموصل, فجاء إخوانه يعزونه من الغد, فقال لهم: إن كنتم جئتم لتعزوني فلا تعزوني, ولكن هنئوني, قال: فهنوه, قال: فما برحوا حتى غداهم, وغلفهم بالغالية.
* عن أبي العباس المبرد قال: لما توفيت والدة إسماعيل بن إسحاق القاضي ركبت إليه أعزيه, وأتوجع له فألفيت عنده الجلة من بني هاشم والفقهاء والعدول ومستوري مدينة السلام ورأيت من ولهه ما أبداه, ولم يقدر على ستره, وكلًا يعزيه, وقد كاد لا يسلو, فلما رأيت ذلك منه ابتدأت بعد التسليم فأنشدته:
لعمري لئن غال ريب الزما ... ن فينا لقد غال نفسا حبيبه
ولكن علمي بما في الثوا ... ب عند المصيبة ينسي المصيبه
فتفهم كلامي, واستحسنه, ودعا بداوة وكتبه, ورأيته بعد قد انبسط وجهه, وزال عنه ما كان فيه من تلك الكآبة, وشدة الجزع.
(6/ 288 ـ 289)
* كان ابن أبي داؤد مآلفًا لأهل الأدب من أي بلد كانوا, وكان قد ضم إليه جماعة يعولهم ويمونهم, فلما مات اجتمع ببابه جماعة منهم فقالوا: يدفن من كان على ساقة الكرم, وتاريخ الأدب, ولا يتكلم فيه, إن هذا لوهن وتقصير, فلما طلع سريره قام ثلاثة نفر منهم فقال أحدهم:
اليوم مات نظام الفهم واللسن…ومات من كان يُستدعى على الزمن
وأظلمت سبل الآداب إذ حُجبت شمس المعارف في غيم من الكفن
وتقدم الثاني فقال:
ترك المنابر والسرير تواضعا…وله منابر لَوْيَشًَا وسريرُ
ولغيره يُجبى الخراج وإنما…تجبى إليه محامد وأجورُ
وقام الثالث فقال:
وليس نسيم المسك ريحَ حنوطه…ولكنه ذاك الثناء المخَلفُ
وليس صرير النعش ما يسمعونه…ولكنها أصلاب قوم تقَّصَفٍُ
* قال الأصمعي: عزى عبد الرحمن بن أبي بكرة سليمان بن عبد الملك بجارية له كان يجد بها وجدًا مبرحًا, فاغتم عليها, فقال: يا أمير المؤمنين من طال عمره فقد الأحبة, ومن قصر عمره كانت مصيبته في نفسه, فقال: سليمان بن عبد الملك:
وإذا تصبك مصيبة فاصبر لها…عظمت مصيبة مبتلى لا يصبر
* قال أحمد البصري: سمعت محمد بن القاسم المعروف بأبي العيناء يعزي جدي أبا بكر بن أبى عدي على زوجته فاطمة بنت الحسن بن عمران بن ميسرة فقال: إذا كان سيدنا - أدام الله عزه - البقية، ودفعت عنه الرزية، كانت التعزية تهنئة، والمصيبة نعمة. ثم جلس وأنشد:
نحن ومن في الأرض نفديكا…لا زلت تبقى ونعزيكا
* عن جعفر بن عبد الواحد قال: دخلت على المتوكل لما توفيت أمه, فعزيته فقال: يا جعفر ربما قلت البيت الواحد, فإذا جاوزته خلطت, وقد قلت:
تذكرت لمَّا فرق الدهر بيننا…فعزيت نفسي بالنبي محمدِ
فأجازه بعض من حضر المجلس:
وقلت له إن المنايا سبيلنا…فمن لم يمت في يومه مات في غدِ
* دخل بشار على المهدي يعزيه على البانوجة فقال: يا ابن معدن الملك, وثمرة العلم، إنما الخلق للخالق, وإنما الشكر للمنعم, ولا بد مما هو كائن، كتاب الله عظتنا, ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوتنا, فأية عظة بعد كتاب الله, وأية أسوة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, مات فما أحسن الموت بعده.