* عن أبي بكر صاحب القوارير قال: جاء رجل إلى محمد بن سيرين فادعى عليه درهمين، فأبي أن يعطيه، وقال له: تحلف قال: نعم. قيل له: يا أبا بكر تحلف على درهمين، قال لا أطعمه حرامًا.
* عن الحسن قال: لم يبق من العيش إلا ثلاث: أخ لك تصيب من عشرته خيرًا؛ فإن زغت عن الطريق قومك, وكفاف من عيش ليس لأحد عليك فيه تبعة, وصلاة في جمع تكفي سهوها, وتستوجب أجرها.
* عن الأصمعي قال: مررت بأعرابية تمدح مغزلها وهي تقول:
رأيتك بعد الله تجبر فاقتي…إذا ما جفاني الأقربون تعود
دراهم بيض لا تزال ترى لنا…وثوب إذا ما شئت منك جديد
فلو كنت عبدًا يستغل حسدنني…وأنت على كسب العبيد تزيد
* عن بشر بن الحارث قال: إذا أصبح الرجل لا يهمه من أين يأتيه قرصاه فلا تعبأ به.
* عن أبي القاسم علي بن الحسن قال: وكان أبو سعيد السيرافي زاهدًا لا يأكل إلا من كسب يده، فذكر جدي أبو الفرج عنه أنه كان لا يخرج إلى مجلس الحكم، ولا إلى مجلس التدريس في كل يوم، إلا بعد أن ينسخ عشر ورقات يأخذ أجرتها عشرة دراهم يكون قدر مؤونته، ثم يخرج إلى مجلسه.
* عن الجنيد قال: كان الحارث كثير الضر، واجتاز بي يومًا وأنا جالس على بابنا فرأيت على وجهه زيادة الضر من الجوع، فقلت له: يا عم لو دخلت إلينا نلت من شيء عندنا، قال: أو تفعل؟ قلت: نعم. وتسرني بذلك وتبرني، فدخلت بين يديه ودخل معي، وعمدت إلى بيت عمي، وكان أوسع من بيتنا لا يخلو من أطعمة فاخرة لا يكون مثلها في بيتنا سريعًا فجئت بأنواع كثيرة من الطعام، فوضعته بين يديه، فمد يده وأخذ لقمة فرفعها إلى فيه فرأيته يلوكها، ولا يزد ردها فوثب وخرج وما كلمني، فلما كان الغد لقيته فقلت: يا عم سررتني، ثم نغصت علي، قال: يا بني أما الفاقة فكانت شديدة وقد اجتهدت في أن أنال من الطعام الذي قدمته إلي، ولكن بيني وبين الله علامة، إذا لم يكن الطعام مرضيًا ارتفع إلى أنفي منه زفرة فلم تقبله نفسي، فقد رميت تلك اللقمة في دهليزكم وخرجت.
* عن سري بن مغلس قال: غزونا أرض الروم فمررت بروضة خضرة فيها الخباز وحجر منقور فيه ماء المطر، فقلت في نفسي: لأن كنت آكل يومًا حلال فاليوم، فنزلت عن دابتي وجعلت آكل من ذلك الخباز، وشربت من ذلك الماء، فإذا هاتف يهتف بي يا سري بن مغلس فالنفقة التي بلغت بها إلى هذا من أين؟.
* عن سري قال: أحب أن آكل أكلة ليس علي فيها تبعة، ولا لمخلوق علي فيها منًا، فما أجد إلى تلك سبيلًا.
* عن أبي عمران الجصاص قال: قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله هذه أربعة دراهم, درهم من تجارة برة, ودرهم من صلة الإخوان, ودرهم من التعليم، ودرهم من غلة بغداد. فقال: ما منها شيء أحب إلي من التجارة, ولا فيها شيء أكره عندي من صلة الإخوان, وأما التعليم فإني أرجوا أن لا يكون به بأس لمن احتاج إليه, وأما غلة بغداد فأنت تعرفها إيش تسألني عنها.
* عن منصور بن عمار ـ في مجلس له وقد فرغ من كلامه ـ قال: لي إليكم حاجة، أريد حبة لم يزنها المطففون ولم تخرج من أكياس المرابين ولم تجري عليها أحكام الظالمين قالوا ما عندنا هذه.
* عن إبراهيم بن منصور بن عمار قال: سمعت أبي يقول: قال لي رجل بالشام: يا أبا السري عندنا رجل من العباد من أهل واسط العراق، رجل لا يأكل إلا من كد يديه، وقد دبرت من سف الخوص والاعتمال صفحة يديه، ولو رأيته لوقذك النظر إليه؛ فهل لك أن تمضي بنا إليه، قال: قلت: نعم. فأتيناه فدققنا عليه بابه فخرج إلى الباب فسمعته يقول: اللهم إني أعوذ بك ممن جاء ليشغلني عما أتلذذ به من مناجاتك، ثم فتح الباب فدخلنا وإذا رجل يرى به الآخرة وإذا قبر محفور ووصية قد كتبها في الحائط، وكساؤه قد أعدت لكفنه، فقلت: أي موقف لهذا الخلق؟ قال: بين يدي من؟ قال: فصاح وخر بوجهه ثم أفاق من غشيته، فقال له صاحبي: يا أبا عباد، هذا أبو السري منصور بن عمار، فقال لي: مرحبًا يا أخي ما زلت إليك مشتاقًا، قال: ورآه صافحني أعلمك أن بي داء قد أعيى المتطببين قبلك قديمًا، فهل لك أن تأتي له برفقك وتلصق عليه بعض مراهمك؟ لعل الله أن ينفع بك، قال: قلت: وكيف يعالج مثلي مثلك وجرحي أثقل من جرحك؟ قال: فقال: وإن كان ذاك كذلك، فإني مشتاق منك إلى ذلك. قال: قلت: أما إذ أبيت فلئن كنت تمسكت باحتفار قبرك في بيتك، وبوصية رسمتها بعد وفاتك، وبكفن أعددته ليوم منيتك، فإن لله عبادًا اقتطعهم خوفه عن النظر إلى قبورهم، قال: فصاح صيحة ووقع في قبره وجعل يفحص برجليه وبال، قال: فعرفت بالبول ذهاب عقله، فخرجت إلى طحان على بابه فقلت: أدخل فأعنا على هذا الشيخ فاستخرجناه من قبره، وهو في غشيته فقال لي الطحان: ويحك ما أردت إلى ما صنعت بهذا الشيخ؟ والله لا يغفر الله لك ما صنعت، فخرجت وتركته صريع فترته، فلما كان الغد عدت إليه، فإذا بسلخ في وجهه، وإذا بشريط قد شد به رأسه لصداع وجده، فلما رآني قال: يا أبا السري المعاودة، قال: قلت: يكون من ذلك ما قدر وخرجت وتركته، هذا آخر حديث بن رزق. وسياق الخبر له وقال الخفاف: ثم قال لي: المعاودة يرحمك الله، فقلت له: فأين بلغت أيها المتعبد من أحزانك وهل بلغ الخوف ليلة من منامك؟ فتا لله لكأني أنظر إلى آكل الفطير والصابر على خبز الشعير يأكل ما اشتهى، وسعى عليه بلحم طير، وسقي من الرحيق المختوم، قال: فشهق شهقة فحركته، فإذا هو قد فارق الدنيا.
* عن بشر بن الحارث قال: عشرة ممن كانوا يأكلون الحلال لا يدخلون بطونهم إلا حلالًا ولو استفوا التراب والرماد، قلت: من هم يا أبا نصر؟ قال: سفيان الثوري، وإبراهيم بن أدهم، وسليمان الخواص، وعلي بن فضيل، ويوسف بن أسباط، وأبو معاوية تجيح الخادم، وحذيفة بن قتادة المرعشي، وداود الطائي، ووهيب بن الورد، وفضيل بن عياض.