* لما مات داود بن نصير الطائي جاء بن السماك, فجلس على قبره, ثم قال: أيها الناس إن أهل الزهد في الدنيا تعجلوا الرواح على أبدانهم مع يسير الحساب غدًا عليهم, وإن أهل الرغبة تعجلوا التعب على أبدانهم مع ثقل الحساب عليهم غدًا, والزهادة راحة لصاحبها في الدنيا والآخرة, والرغبة تتعب صاحبها في الدنيا والآخرة, رحمك الله يا أبا سليمان ما كان أعجب شأنك! ألزمت نفسك الصبر حتى قومتها عليه، أجعتها وإنما تريد شبعها, وأظمأتها وإنما تريد ريها, أخشنت المطعم وإنما تريد أطيبة, وخشنت الملبس وإنما تريد لينه, يا أبا سليمان أما كنت تشتهي من الطعام طيبه, ومن الماء بارده, ومن اللباس لينه, بلى ولكنك أخرت ذلك لما بين يديك, فما أراك إلا قد ظفرت بما طلبت, وما إليه رغبت, فما أيسر ما صنعت, وأحقر ما فعلت في جنب ما أملت فمن سمع بمثلك عزم عزمك, أو صبر صبرك, آنس ما تكون إذا كنت بالله خاليًا, وأوحش ما تكون آنس ما يكون الناس، سمعت الحديث وتركت الناس يحدثون, تفهمت في دين الله وتركتهم يفتون, لا تذللك المطامع, ولا ترغب إلى الناس في الصنائع, ولا تحسد الأخيار, ولا تعيب الأشرار, ولا تقبل من السلطان عطية, ولا من الأخوان هدية, سجنت نفسك في بيتك, فلا محدث لك, ولا ستر على بابك, ولا قلة تبرد فيها ماءك, ولا قصعة تثرد فيها غذاءك وعشاءك, فلو رأيت جنازتك, وكثرة تابعك علمت أنه قد شرفك وكرمك, وألبسك رداء عملك, فلو لم يرغب عبد في الزهد في الدنيا إلا لمحبة هذا النشر الجميل, والتابع الكثير، لكان حقيقًا بالاجتهاد, فسبحان من لا يضيع مطيعًا, ولا ينسى لأحد صنيعًا, وفرغ من دفنه, وقام الناس.