فهرس الكتاب

الصفحة 438 من 593

* عن محمد بن عبد الله النيسابوري قال: سمعته ـ أي أبو أحمد المعروف بحسينك ـ غير مرة يقول: اللهم إنك تعلم أني لا أدخر ما أدخره, ولا أقتني هذه الضياع إلا للاستغناء عن خلقك, والإحسان إلى أهل السنة والمستورين.

* بينا أبو السائب في داره إذ سمع رجل يتغنى بهذه الأبيات:

أبكي الذين أذاقوني مودتهم…حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا

حسبي بأن تعلمي أن قد يحبكم…قلبي وأن تجدي بعض الذي أجد

ألقيت بيني وبين الحب معرفة…فليس تنفد حتى ينفد الأبد

وليس لي مسعد فامنن عليَّ به…فقد بليت وقد أضناني الكمد

قال: فخرج أبو السائب من داره يسعى خلفه, فقال: قف يا حبيبي دعوتك أنا مسعدك إلى أين تريد؟ قال: إلى خيام الشغف من وادي العرج فأصابتهما سماء شديدة, فجعل أبو السائب يقرأ:) فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ( [آل عمران: من الآية146] قال: فرجع إلى منزله, وقد كادت نفسه أن تتلف, فدخل عليه أصحابه, وإخوانه فقالوا: يا أبا السائب ما الذي تصنع بنفسك؟ قال: إليكم عني فإني مشيت في مكرمة, وأحييت مسلمًا, والمحسن معان.

* عن الحسن بن سهل أنه جاءه رجل يستشفع به في حاجة فقضاها فأقبل الرجل يشكره فقال له الحسن بن سهل: علام تشكرنا؟ ونحن نرى أن للجاه زكاة كما أن للمال زكاة, ثم أنشأ الحسن يقول:

فرضت عليَّ زكاة ما ملكت يدي…وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا

فإذا ملكت فجد وان لم تستطع…فاجهد بوسعك كله أن تنفعا

* عن أشهب بن عبد العزيز قال: كان الليث له كل يوم أربعة مجالس يجلس فيها: أما أولها, فيجلس لنائبة السلطان في نوائبه وحوائجه, وكان الليث يغشاه السلطان, فإذا أنكر من القاضي أمرًا, أو من السلطان كتب إلى أمير المؤمنين, فيأتيه العزل, ويجلس لأصحاب الحديث, وكان يقول نجحوا أصحاب الحوانيت, فإن قلوبهم معلقة بأسواقهم, ويجلس للمسائل يغشاه الناس, فيسألونه, ويجلس لحوائج الناس لا يسأله أحد من الناس فيرده كبرت حاجته أو صغرت, قال: وكان يطعم الناس في الشتاء الهرايس بعسل النحل, وسمن البقر, وفي الصيف سويق اللوز بالسكر.

* عن جرير بن أحمد بن أبي داود قال: حدثني علي بن الحسين الاسكافي قال: اعتل أبوك فعاده المعتصم، وكان معه بغا، وكنت معه لإني كنت اكتب لبغا، فقام فتلقاه وقال له: شفاني الله بالنظر إلى أمير المؤمنين، فدعا له بالعافيه، فقال له: قد تمم الله شفائي ومحق دائي بدعاء أمير المؤمنين، فقال له المعتصم: إني نذرت إن عافاك الله أن أتصدق بعشرة آلاف دينار، فقال له: يا أمير المؤمنين فاجعلها لأهل الحرمين فقد لقوا من غلاء الأسعار عنفًا. فقال: نويت أن أتصدق بها هاهنا وأنا أطلق لأهل الحرمين مثلها، ثم نهض فقال له أمتع الله الإسلام وأهله ببقائك يا أمير المؤمنين، فإنك كما قال النمري لأبيك الرشيد:

إن المكارم والمعروف أؤديه…أحلك الله منها حيث تجتمع فليس

من لم يكن بأمين الله معتصما…بالصلوات الخمس ينتفع

فقيل للمعتصم في ذلك لأنه عاده وليس يعود إخوته وأجلاء أهله، فقال المعتصم: وكيف لا أعود رجلًا ما وقعت عيني عليه قط إلا ساق إليَّ أجرًا، أو أوجب لي شكرًا، أو أفادني فائدة تنفعني في ديني ودنياي، وما سألني حاجة لنفسه قط.

* عن الجامبسي قال: قال لي رجل كنت عند ابن السماك إذا جاءه رجل فقال: له أعزك الله إني قد أتيتك في حاجة، فقال: والله ما عندنا صفرًا ولا بيضًا، قال: والله ما جائنا في شيء من هذين الجوهرين، قال: وفيمَ ذاك؟ قال سألني هذا الرجل أن أكلمك في أن تكلم بعض إخوانك في صداق أهله، قال: فأخذ ابن السماك رقعة وكتب فيها: أطال الله بقاك يا أبا العباسي، الدهر قد كلح فجرح وجمح، فطمح وأفسد ما أصلح، فإن لم تعن عليه فضح، ودفعها إلى الرجل فقال: أوصلها إلى الفضل بن يحيى قال: فأوصلها، فدعا الفضل صاحب بيت ماله فقال: ما في بيت مالنا قال ألف ومائتا دينار وثلاثون ألف درهم، قال: احملها إلى أبي العباس وأعلمه أنا في ضيقة، فلما أتى بالمال قال ادفعوه إلى الرجل، قال: إنما يكفي هذا الرجل ألف أو ألفان، قال: ما جاء بسببه فهو له.

* عن أبي السائب قال: احتجت إلى لقحة، فكتبت إلى محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أسأله أن يبعث إليَّ بلقحة، فإني لعلى بابي فإذا يزجر إبل وإذا فيها عبد يزجر بها، فقلت له: يا هذا ليس ها هنا الطريق، فقال: أردت أبا السائب، فقلت: فأنا أبو السائب، فدفع إليّ كتاب محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، فإذا فيه، أتاني كتابك تطلب لقحة، وقد جمعت ما كان بحضرتنا منها، وهي تسع عشرة لقحة وبعثت معها بعبد راع وهن بدن وهو حر إن رجع مما بعثت به شيء في مالي أبدًا. قال: فبعت منهن بثلاثمائة دينار سوى ما احتبست لحاجتي.

* دخل سوار بن عبد الله القاضي على محمد بن عبد الله بن طاهر فقال: أيها الأمير، إني جئتك في حاجة رفعتها إلى الله قبل رفعها إليك، فإن قضيتها حمدنا الله وشكرناك، وإن لم تقضها حمدنا الله وعذرناك فقضى جميع حوائجه.

* عن علي بن الحسين بن عبد الأعلى الأسكافي قال: كان أحمد بن الجنيد الأسكافي أخص الناس بجعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، فكان الناس يقصدونه في حوائجهم إلى جعفر، قال: وإن رقاع الناس كثرت في خف أحمد بن الجنيد، فلم يزل كذلك إلى أن تهيأ له الخلوة بجعفر فقال له: يا جعلني الله فداك، قد كثرت رقاع الناس معي، وأشغالك كثيرة وأنت اليوم خال، فإن رأيت أن تنظر فيهما. فقال له جعفر: على أن تقيم عندي اليوم، فقال له أحمد: نعم، فصرف دوابه وأقام. فلما تغدوا جاءه بالرقاع فقال له جعفر: هذا وقت ذا دعنا اليوم، فأمسك عنه أحمد وانصرف في ذلك اليوم ولم ينظر في الرقاع، فلما كان بعد أيام خلا به فذاكره الرقاع فقال: نعم على أن تقيم عندي اليوم، فأقام عنده، ففعل به مثل الفعل الأول، حتى فعل به ذلك ثلاثًا. فلما كان في آخر يوم أذكره فقال: دعني الساعة وناما فانتبه جعفر قبل أحمد فقال لخادم له: اذهب إلى خف أحمد بن الجنيد فجئني بكل رقعة فيه، وانظر لا يعلم أحمد، فذهب الغلام وجاء بالرقاع فوقّع جعفر فيها عن آخرها بخطه بما أحب أصحابها، ووكد ذلك، ثم أمر الخادم أن يردها في الخف فردها، وانتبه أحمد وأخذوا في شأنهم ولم يقل له فيها شيئًا وانصرف أحمد فركب يعلل أصحاب الرقاع بها أيامًا، ثم قال لكاتب له: ويحك هذه الرقاع قد أخلقت في خفي، وهذا يعني جعفرًا ليس ينظر فيها، فخذها تصفحها وجدد ما خلق منها، فأخذها الكاتب فنظر فيها فوجد الرقاع موقعًا فيها بما سأل أهلها وأكثر فتعجب من كرمه ونبل أخلاقه، ومن أنه قد قضى حاجته، ولم يعلمه بها لئلا يظن أنه اعتدى بها عليه.

* عن الضحاك بن المنذر قال: لزم المنذر بن عبد الله الحرامي دين، فخرج إلى الحسن بن زيد فقعد على طريقه إلى ضيعته، وقال أيها الأمير: اسمع مني شيئًا قلته، قال الحسن: إلحق يا أبا عثمان نسمع منك على مهل، فأنا عجلان، فكسر ذلك المنذر بن عبد الله حتى هم أن يرجع ثم ذكر كلًا وعيالًا فتحامل حتى أتاه، فرفعه معه على فرشه وبسطه بالحديث، وحضر الغداء فجعل يناوله بيده، ثم قال له: اسمعنا ما قلت يا أبا عثمان، فأنشده.

يا بن بنت النبي وابن علي…أنت أنت المجير من ذا الزمان

من زمان ألح ليس بناج…منه من لم يجيره الخافقان

من ديون تنوبنا فادحات…بيد الشيخ من بني ثوبان

فجزاه خيرًا ودعا بقرطاس فكتب صكًا كأذن الفأرة، وختم عليه وناوله إياه إلى ابن ثوبان، فخرج به لا يظن به خيرًا حتى دفعه فقرأه بن ثوبان، وقال سألني الأمير أن أنظر بمالي إلى ميسرتك وقد فعلت، وأمر لك بمائة دينار وهذه هي.

* عن أبي الحسن الزيادي قال: مطرنا يومًا مطرًا شديدًا فأقمت في المسجد للصلاة، فإذا أنا بشخص حيالي إذا أطرقت نظر إلي وإذا رفعت رأسي أطرق. فعل هذا مرات فدعوت به، وقلت ما شأنك، فقال: ملهوف، أنا رجل متجمل جاء هذا المطر فسقط بيتي، ولا والله ما أقدر على بنيانه قال: فأقبلت أفكر من له، فخطر ببالي غسان بن عباد، فركبت إليه معه وذكرت له شأنه فقال: قد دخلتني له رقة، هاهنا عشرة آلاف درهم قد كنت أريد تفرقتها، فأنا أدفعها إليه فبادرت إليه وهو على الباب فأخبرته فسقط مغشيًا عليه من الفرح، فلامني ناس رأوه، وقالوا ما صنعت فدخلت إلى غسان فأمر بإدخاله ورش على وجهه من ماء الورد حتى أفاق، فقلت: ويحك، ما نالك قال: ورد علي من الفرح ما أنزل بي ما ترى ثم تحدثنا مليًا فقال لي غسان: قد دخلتني له رقة قلت فمه، قال: احمله على دابة فقلت له: إن الأمير قد عزم في أول أمرك على شيء أفمن رأيك أن تموت إن أخبرتك، قال: لا، قلت: قد عزم على حملك على دابة قال: أحسن الله جزاءه، ثم تحدثنا مليًا فقال لي: قد دخلتني لهذا الرجل رقة، قلت: فما تصنع به، قال: أجري له رزقًا سنيًا، وأضمه إليّ قلت له: إن الأمير قد عزم في أمرك علي شيء، فمن رأيك أن تموت، قال: لا. قلت: إنه قد عزم على أن يجري لك رزقًا سنيًا ويضمك إليه، قال: أحسن الله جزاءه، ثم ركب ودفعت البدرة إلى الغلام يحملها، فلما سرنا بعض الطريق، قال لي: ادفع البدرة إليَّ أحملها قلت الغلام يكفيك، قال: آنس بمكانها على عنقي ثم غدوت به إلى غسان فحمله وضمه إليه، وخص به فكان من خير تابع.

* دخل سوار بن عبد الله القاضي على محمد بن عبد الله بن طاهر، فقال: أيها الأمير، إني جئتك في حاجة رفعتها إلى الله قبل رفعها إليك، فإن قضيتها حمدنا الله، وشكرناك وإن لم تقضها، حمدنا الله وعذرناك، فقضى جميع حوائجه.

* عن الزبير بن بكار قال: كان أمير المؤمنين المهدي قد كتب إلى والي المدينة يأمره أن يشخص إليه رجلًا يرضاه أهل البلد، يقوم بحوائج أهل المدينة عنده، فأجمع أهل المدينة على عبد الملك بن يحيى، وسألوه أن يخرج. فخرج في ذلك ورفع حوائجهم وأقام بالعراق يطالب بها.

* عن يحيى بن زكريا مولى علي بن عبدالله عن أبيه قال: كان المنصور يعجب بمحمد بن جعفر بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب, يؤانسه ويفاوضه ويداعبه ويلتذ بمحادثته. وكان أديبا لبيبًا لسنًا, وكان لحسن منزلته من المنصور, وعظيم قدره عنده؛ يفزع إليه الناس في حوائجهم، فيكلمه فيها فيقضيها, حتى أكثر عليه من الحوائج وأفرط, فأمر الربيع أن يحجبه, فلما حجبه قعد في منزله أيامًا, فظمئ المنصور إلى رؤيته وقرم إلى محادثته، فقال: يا ربيع إن جميع لذات مولاك قد أخلقن عنده, ورثثن في عينه سوى لذته من محادثة محمد بن جعفر، فإنها تجدد عنده في كل يوم وليلة، وقد كدرها علي بكثرة ما يحملني عليه من حوائج الناس، فاحتل لمولاك فيما كدر عليه من لذته. فقال الربيع: أفعل يا أمير المؤمنين. وخرج من عنده فأتى محمد بن جعفر فعاتبه على ما يحمل المنصور عليه من حوائج الناس وسأله إعفاءه من ذلك. فنضح عن نفسه فيما عاتبه عليه, وأجابه إلى أن لا يسأله حاجة لأحد. فأمره بالغدو على المنصور, ورجع إلى المنصور فأعلمه ذلك. وبلغ قومًا من قريش قدموا العراق لحوائجهم ما كان من أمر محمد بن جعفر ومن الربيع، وأنه عازم على الغدو على المنصور, وكتبوا حوائجهم في رقاع ووقفوا بها على طريق محمد بن جعفر. فلما غدا يريد المنصور عرضوا له بها, ومتوا إليه بقراباتهم, وتوسلوا بأرحامهم, وسألوه إيصال رقاعهم, والتماس نجاح ما فيها. فاعتذر إليهم وسألهم أن يعفوه من ذلك فأبوا أن يقبلوا ذلك منه, والحوا عليه. فقال: لست أكلم المنصور في حاجة لأحد من الناس، فإن أحببتم أن تودعوا رقاعكم كمي فافعلوا. فقذفوا رقاعهم في كمه، ومضى حتى دخل على المنصور وهو في الخضراء مشرف على مدينة السلام ودجلة والصراة، وما حولها من البساتين والمزارع. فعاتبه فنضج عن نفسه، ثم حادثه ساعة. قال له المنصور: أما ترى حسن مستشرفنا هذا؟ قال أرى يا أمير المؤمنين فبارك الله لك فيما آتاك, وهنأك بإتمام النعمة عليك ما أعطاك، فما بنت العرب في دولة الإسلام، ولا العجم في مدة الكفر, مدينة أحصن ولا أحسن ولا أجمع للخصال المحمودة منها, وقد سمجتها في عيني يا أمير المؤمنين خصلة. قال: وما هي؟ قال: ليس لي فيها ضيعة. فتبسم وقال: فإني أحسنها في عينيك بثلاث ضياع أقطعك في أكنافها, فاغد على أمير المؤمنين يسجل لك بها. فقال: أنت والله يا أمير المؤمنين سهل الموارد, كريم المصادر, فجعل الله باقي عمرك أكثر من ماضيه، فقد بررت فأفضلت، ووصلت فأجزلت, وأنعمت فأسبغت، فبدرت الرقاع من كمه وهو يتشكر له, فأقبل بردهن [في كمه] ويقول: ارجعن خاسئات فضحك وقال: بحق أمير المؤمنين عليك لما أخبرته خبر هذه الرقاع فأعلمه فقال: أبيت يا ابن معلم الخير إلا كرمًا، فَفِ للقوم بضمانك، وألقها عن كمك لننظر في حوائجهم. فطرح الرقاع بين يديه. فتصفحها ثم دفعها إلى الربيع ثم التفت إليه فتمثل بقول امرىء القيس:

لسنا وإن أحسابنا كرمت…يومًا على الأحساب نتكل

نبني كما كانت أوائلنا…تبني ونفعل مثل ما فعلوا

ثم قال: قد قضى أمير المؤمنين حوائجهم, فأمرهم بلقاء الربيع. قال محمد: فخرجت من عند أمير المؤمنين وقد ربحت وأربحت.

* عن أبي عمر محمد بن عبد الواحد غلام ثعلب قال: ترك قضاء حقوق الإخوان مذلة, وفي قضاء حقوقهم رفعة, فاحمدوا الله على ذلك, وسارعوا في قضاء حوائجهم ومسارهم, تكافؤوا عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت