* قال أبو الحسن أحمد بن جعفر: وكان مذهبه ـ أي أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن الصيرفي ـ في بذل الحديث أنه كان يسأل من يقصده عن مدينة بعد مدينة هل بقى منها أحد يحدث فان قيل له ما بقى فيها محدث خرج إليها في سر ثم حدثهم ورجع وكان من الديانة على نهاية.
* عن محرز بن عون قال سألت فضيل بن عياض عن حديث فقال لي: وأنت أيضًا منهم، عليكم بالقرآن، فإنه ينبغي لنا أن لو بلغنا أن حرفًا من كلام ربنا نزل باليمن لذهبنا حتى نسمعه، ولكن وجدتم هذا الأمر أيسر عليكم.
* عن ابن أبي مليكة قال: كان عكرمة بن أبي جهل يأخذ المصحف, فيضعه على وجهه, ويقول: كلام ربي .. كلام ربي .. , قال القواريري: كتب عني أبو عبد الله أحمد بن حنبل هذا الحديث في الحبس, وحديثًا آخر, قال: وكتب عني يحيى بن معين أيضًا حديثين.
* عن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: قلت لأبي زرعة: تحزر ما كتبت عن إبراهيم بن موسى مائة ألف, قال: مائة ألف كثير! قلت: فخمسين ألفًا قال: نعم, وستين ألفًا وسبعين ألفًا, أخبرني من عد كتاب الوضوء والصلاة فبلغ ثمانية عشر ألف حديث.
* عن أبي زرعة الرازي قال: دخلت البصرة, فصرت إلى سليمان الشاذكوني يوم الجمعة, وهو يحدث, وهو أول مجلس جلست إليه فقال: حدثنا يزيد بن زريع عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر عن قتادة عن محمود بن لبيد عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «ما من رجل يموت له ثلاث من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم» فقلت للمستملي: ليس هذا من حديث عاصم بن عمر, إنما هذا رواه محمد بن إبراهيم, فقال له, فرجع إلى محمد بن إبراهيم, قال: وذكر في هذا المجلس أيضًا, فقال حدثنا ابن أبي غنية عن أبيه عن سعد بن إبراهيم عن نافع بن جبير عن أبيه أنه قال: (لا حلف في الإسلام) قال: فقلت: هذا وهم, وهم فيه إسحاق بن سليمان, وإنما هو سعد بن إبراهيم عن أبيه عن جبير, قال: من يقول هذا؟ قلت: حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء حدثنا بن أبي غنية عن أبيه عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن جبير, قال: فغضب, ثم قال لي: ما تقول فيمن جعل الأذان مكان الإقامة؟ قلت: يعيد, قال: من قال هذا؟ قلت: الشعبي, قال: من عن الشعبي؟ قلت: حدثنا قبيصة عن سفيان عن جابر عن الشعبي, قال: ومن غير هذا؟ قلت: إبراهيم, قال: من عن إبراهيم؟ قلت: حدثنا أبو نعيم حدثنا منصور أبي الأسود عن مغيرة عن إبراهيم, قال: أخطأت, قلت: حدثنا أبو نعيم حدثنا جعفر الأحمر عن مغيره عن إبراهيم, قال: أخطأت قلت: حدثنا أبو نعيم حدثنا أبو كدينة عن مغيرة عن إبراهيم, قال: أصبت قال أبو زرعة: كتبت هذه الأحاديث الثلاثة عن أبي نعيم, فما طالعتها منذ كتبتها, فاشتبه علي, ثم قال: وأي شيء غير هذا؟ قلت: معاذ بن هشام عن أشعث عن الحسن, قال: هذا سرقته مني, وصدق كان ذاكرني به رجل ببغداد فحفظته عنه.
* عن عباس العنبري قال: حدث يحيى القطان يومًا بحديث, فاخطأ فيه, فلما كان من الغد اجتمع أصحابه, وفيهم علي بن المديني, وأشباهه, فقال لعمرو بن علي ـ من بينهم ـ: اخطأ في حديث, وأنت حاضر فلا تنكر!.
* عن محمد بن إسماعيل البخاري قال: لما دخلت البصرة صرت إلى مجلس محمد بن بشار, فلما خرج وقع بصره علي فقال: من أين الفتى؟ قلت: من أهل بخارى, قال: كيف تركت أبا عبد الله؟ فأمسكت. فقال له أصحابه: رحمك الله هو أبو عبد الله! فقام فأخذ بيدي, وعانقني وقال: مرحبًا بمن افتخر به منذ سنين.
* حج بشر المريسي فرجع، فقال لأصحابه: رأيت شابًا من قريش بمكة ما أخاف على مذهبنا إلا منه - يعني الشافعي.
* عن محمد بن المسيب قال: سمعت محمد بن بشار يقول: قد كتب عني خمسة قرون، وسألوني الحديث, وأنا ابن ثمان عشرة، فاستحييت أن أحدثهم في المدينة، فأخرجتهم إلى البستان, وأطعمتهم الرطب, وحدثتهم.
*قال محمد بن الحسن: أقمت على باب مالك ثلاث سنين وكسرًا. وكان يقول: إنه سمع منه لفظًا أكثر من سبعمائة حديث. قال: وكان إذا حدثهم عن غير مالك لم يجبه إلا القليل من الناس. فقال: ما أعلم أحدًا أسوأ نثًا (1) على أصحابه منكم: إذا حدثكم عن مالك ملأتم علي الموضع، وإذا حدثكم عن أصحابه إنما تأتون متكارهين.
* عن أبي عبد الرحمن عبد الله قال: حين قدم علينا محمد بن حميد ـ يعنى الرازى ـ كان أبي بالعسكر، فلما خرج قدم أبي, وجعل أصحابه يسألونه عن ابن حميد, فقال لي: ما لهؤلاء يسألوني عن ابن حميد؟ قلت: قدم ههنا فحدثهم بأحاديث لا يعرفونها, قال لي: كتبت عنه؟ قلت: نعم! كتبت جزءًا. قال: أعرض علي, فعرضتها عليه فقال: أما حديثه عن ابن المبارك, وجرير فهو صحيح، وأما حديثه عن أهل الري فهو أعلم.
* عن محمد بن عبد الملك بن يزيد البغدادي قال: كان كتب الحديث الكثير, وتعلم من علوم الظاهر، وقف يومًا على حلقة أبي حمزة ـ يعني محمد بن إبراهيم الصوفي ـ وهو يتكلم في شيء من علوم الحقائق، فأخذ منه كلامه؛ وتخلف عن مجالس الحديث، ولزم أبا حمزة إلى أن مات, وصار من جلة أصحابه.
* عن الكديمي قال: خرجت أنا, وعلي بن المديني, وسليمان الشاذ كوني نتنزه, ولم يبقى لنا موضع مجلس غير بستان الأمير، وكان قد منع من الخروج إلى الصحراء، قال: فلما قعدنا وافق الأمير فقال: خذوهم. قال: فأخذونا وكنت أنا أصغر القوم سنًا، فبطحوني, وقعدوا على أكتافي. قال: قلت: أيها الأمير اسمع مني. قال: هات. قلت حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدى حدثنا سفيان بن عينية عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الله، ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء» قال: أعده علي، قال فأعدته عليه، فقال لهؤلاء قوموا. ثم قال لي: أنت تحفظ مثل هذا, وأنت تخرج تتنزه؟! أو كما قال، قال: فكان الشاذ كونى يقول لي: نفعك حديث الحميدي.
* عن القاضي أبو علاء الواسطي قال: سمعت أبا العباس الكديمى يومًا وبكى، ثم قال: ألا من رماني بالكفر, والزندقة, فهو من قلبي في حل، إلا من رماني بالكذب في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإني خصمه بين يدي الله يوم القيامة.
* عن أبي عامر العقدي قال: أنا كنت سبب عبد الرحمن بن مهدي في الحديث, كان يتبع القصاص, فقلت له: لا يحصل في يدك من هؤلاء شيء.
* عن إسماعيل بن أبي الحارث قال: بعث إلي حجاج بن الشاعر فقال:
ألا تحدث بتصنفيه…وتخريجه دائما سرمدا
فطورا أصنفه في الشيوخ…وطورا أصنفه مسندا
وأقفوا البخاري فيما نحاه…وصنفه جاهدا مجهدا
ومسلم إذ كان زين الأنام…بتصنفيه مسلمًا مرشدا
ومالي فيه سوى بهذا الحديث إلا من سنة إلى سنة, فقلت للرسول: أقرئه السلام وقل له: ربما حدثت به في اليوم مرات.
* عن الحسن بن حماد قال: بلغني أن أم إسحاق الأزرق قالت له: يا بني إن بالكوفة رجلًا يستخف بأصحاب الحديث, وأنت على الحج فأسالك بحقي عليك أن لا تسمع منه شيئًا. قال إسحاق: فدخلت الكوفة فإذا الأعمش قاعد وحده, فوقفت على باب المسجد فقلت: أمي والأعمش, وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» , فدخلت, فسلمت فقلت: يا أبا محمد حدثني, فإني رجل غريب, قال: من أين أنت؟ قلت: من واسط, قال: فما اسمك؟ قلت: إسحاق بن يوسف الأزرق, قال: لا حييت, ولا حييت أمك أليس حرجت عليك أن لا تسمع مني شيئا ً؟! قلت: يا أبا محمد ليس كل ما بلغك يكون حقًا, قال: لأحدثنك بحديث ما حدثته أحدًا قبلك, فحدثني عن ابن أبي أوفي قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الخوارج كلاب النار» .
* عن حماد بن إسحاق قال: قال لي أبي قلت: ليحيى بن خالد أريد أن تكلم لي سفيان بن عيينة ليحدثني أحاديث, فقال: نعم, إذا جاءنا, فأذكرني, قال: فجاءه سفيان بن عيينة, فلما جلس أومأت إلى يحيى, فقال له: يا أبا محمد، إسحاق بن إبراهيم من أهل العلم والأدب, وهو مكره على ما تعلمه منه, فقال سفيان: ما تريد بهذا الكلام؟ فقال: تحدثه بأحاديث, قال: فتكره ذلك، فقال يحيى: أقسمت عليك إلا ما فعلت, قال: نعم فليبكر إلي, قال: فقلت ليحيى: افرض لي عليه شيئًا, فقال له: يا أبا محمد، افرض له شيئًا, قال: نعم، قد جعلت له خمسة أحاديث, قال: زده, قال: قد جعلتها سبعة, قال: هل لك أن تجعلها عشرة؟ قال: نعم, قال: إسحاق فبكرت إليه, واستأذنت ودخلت, فجلست بين يديه, وأخرج كتابه فأملى علي عشرة أحاديث, فلما فرغ, قلت له: يا أبا محمد إن المحدث يسهو, ويغفل, والمحدث أيضًا كذلك فإن رأيت أن اقرأ عليك ما سمعته منك, قال: اقرأ فديتك, فقرأت عليه, وقلت له: أيضًا: إن القارئ ربما أغفل طرفه الحرف, والمقروء عليه ربما ذهب عنه الحرف, فأنا في حل أن أروى جميع ما سمعته منك؟ قال: نعم, فديتك أنت, والله فوق أن تستشفع, أو يشفع لك, فتعال كل يوم, فلوددت أن سائر أصحاب الحديث كانوا مثلك.
*عن محمد بن جابر قال: قدمت البصرة, فأتاني شعبة بن الحجاج, فسألني, فحدثته بحديث قيس بن طلق في مس الذكر, فقال: أسألك بالله لا تحدث بهذا الحديث ما كنت بالبصرة, قال أبو يعقوب إسحاق بن أبي إسرائيل: لما انصرفت من اليمامة من عند هذا الشيخ ـ يعنى محمد بن جابر ـ دخلت البصرة ليلًا, فسألت عن منزل أبي عوانة, فقيل لي: أمس دفناه؛ فغمني ذلك, وجزعت عليه, ثم أتيت حماد بن زيد, فلما رآني, وأنا قشف الهيئة على أثر السفر, قال لي: أحسبك غريبًا! قلت: نعم, قال: من أين قدمت؟ قلت: من اليمامة, قال: وما صنعت باليمامة؟ قلت: سمعت من شيخ بها يقال له: محمد بن جابر, قال: قد سمعت منه حديث قيس في مس الذكر, ثم قال لي: حدثني عنه بما سمعت, فاستحييت, وهبت الشيخ, فلم أذكر شيئًا, ولم يجر على لساني, فقال لي: يا بني إن المستقفين عندنا كثير فاتق لا تؤخذ ثيابك, وكنت أنام في المسجد, فقال: يا جلوة خذي ثياب الرجل إليك, فأودعته ثيابي, ثم دعاني بعد ذلك حماد بن زيد, وجماعة من الغرباء, فغداني عنده, وهو قائم على رجليه يتعاهدنا يقول: يا جلوة، جيئيهم برطب, يا جلوة، هاتي موزًا, هاتي ماءًا باردًا, فلم يزل قائمًا علينا حتى فرغنا, شكر الله ذلك لأبي إسماعيل ورضي عنه.
* عن الشافعي قال: ناظرت المريسي في القرعة, فذكرت له حديث عمران بن حصين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في القرعة, فقال: يا أبا عبد الله هذا قمار, فأتيت أبا البختري, فقلت له: سمعت المريسي يقول: القرعة قمار, قال: يا أبا عبد الله شاهد آخر, وأقتله.
* عن الخطيب قال: وكان بشر بن الحارث الحافي كثير الحديث إلا أنه لم ينصب نفسه للرواية وكان يكرهها ودفن كتبه لأجل ذلك؛ وكل ما سمع منه فإنما هو على سبيل المذاكرة.
* عن عبد الله بن أحمد قال: وجدت هذا الحديث في كتاب أبي بخط يده: حدثنا بكر بن يزيد قال: عبد الله وأظنني قد سمعته منه في المذاكرة فلم أكتبه, وكان بكر ينزل المدينة أظنه كان في المحنة قد ضرب على هذا الحديث في كتابه.
* عن يحيى بن عبد الله الجابري قال: صليت خلف عيسى مولى لحذيفة بالمدائن على جنازة, فكبر خمسًا, ثم التفت إلينا فقال: ما وهمت ولا نسيت: ولكن كبرت كما كبر مولاي, وولي نعمتي حذيفة بن اليمان. صلى على جنازة فكبر خمسًا, ثم التفت إلينا فقال: ما نسيت ولا وهمت, ولكني كبرت كما كبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، صلى على جنازة, فكبر خمسًا (2) .
(1) نث الخبر: أفشاه.
(2) هذا حديث مسلسل.