فهرس الكتاب

الصفحة 327 من 593

* عن أبي يوسف - لما ولى حفص - أنه قال لأصحابه: تعالوا نكتب نوادر حفص، فلما وردت أحكامه وقضاياه على أبي يوسف، قال له أصحابه: أين النوادر التي زعمت نكتبها؟ قال: ويحكم إن حفصًا أراد الله فوفقه.

* عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: رأيت سلمان بن ربيعة جالسًا بالمدائن على قضائها, واستقضاه عمر بن الخطاب أربعين يومًا, فما رأيت بين يديه رجلين يختصمان لا بالقليل, ولا بالكثير, فقلنا لأبي وائل: فمِّمَ ذاك؟ قال: من انتصاف الناس فيما بينهم.

* عن أبي القاسم عبيد الله بن سليمان قال: كنت أكتب لموسى بن بغا, وكنا بالري, وقاضيها إذ ذاك أحمد بن بديل الكوفي فاحتاج موسى أن يجمع ضيعة هناك كان فيها سهام ويعمرها, وكان فيها سهم ليتيم فصرت إلى أحمد بن بديل أو فاستحضرت أحمد بن بديل, وخاطبته في أن يبيع علينا حصة اليتيم, ويأخذ الثمن فامتنع, وقال: ما باليتيم حاجة إلى البيع, ولا آمن أن أبيع ماله, وهو مستغن عنه, فيحدث على المال حادثه فأكون قد ضيعته عليه, فقلت: إنا نعطيك في ثمن حصته ضعف قيمتها. فقال: ما هذا لي بعذر في البيع, والصورة في المال إذا أكثر مثلها إذا قل. قال: فأدركته بكل لون, وهو يمتنع فأضجرني فقلت له: أيها القاضي ألا تفعل فإنه موسى بن بغا, فقال لي: أعزك الله إنه قال فاستحييت من الله أن أعاوده بعد ذلك وفارقته فدخلت على موسى فقال: ما عملت في الضيعة؟ فقصصت عليه الحديث, فلما سمع أنه الله بكى, وما زال يكررها, ثم قال: لا تعرض لهذه الضيعة, وانظر في أمر هذا الشيخ الصالح فإن كانت له حاجة فاقضها. قال: فأحضرته, وقلت له: إن الأمير قد أعفاك من أمر الضيعة, وذلك أنى شرحت له ما جرى بيننا, وهو يعرض عليك قضاء حوائجك. قال: فدعا له وقال: هذا الفعل أحفظ لنعمته, ومالي حاجة إلا إدرار رزقي فقد تأخر منذ شهور, وأضرني ذلك. قال: فأطلقت له جارية.

* عن عبد الله بن عمر قال: شرب عبد الرحمن بن عمر وشرب معه أبو سروعة عقبة بن الحارث, ونحن بمصر في خلافة عمر بن الخطاب فسكرا, فلما صحوا انطلقا عمرو بن العاص, وهو أمير مصر فقال: طهرنا فإنا قد سكرنا من شراب شربناه. قال عبد الله بن عمر: ولم أشعر أنهما أتيا عمرو بن العاص. قال: فذكر لي أخي أنه قد سكر فقلت له: ادخل الدار أطهرك فأذنني أنه قد حدث الأمير. قال عبد الله بن عمر: فقلت: والله لا تحلق اليوم على رؤوس الناس, أدخل أحلقك, وكانوا إذ ذاك يحلقون مع الحد, فدخل معي الدار. قال عبد الله: فحلقت أخي بيدي, ثم جلدهم عمرو بن العاص, فسمع عمر بن الخطاب, فكتب إلى عمرو أن ابعث إلي بعبد الرحمن بن عمر على قتب, ففعل ذلك عمرو, فلما قدم عبد الرحمن على عمر جلده وعاقبه من أجل مكانه منه, ثم أرسله فلبث أشهرًا صحيحًا, ثم أصابه قدره, فيحسب عامة الناس أنه مات من جلد عمر, ولم يمت من جلده.

* عن أبي عبد الله قال: كان معنا رجل من الأنصار يختلف فأدخلني على إسماعيل, فلما رآني غضب, وقال: من أدخل هذا عليَّ؟ فلم يزل مبغضًا لأهل الحديث بعد ذاك الكلام لقد لزمته عشر سنين إلا أن أغيب, ثم جعل يحرك رأسه كأنه يتلهف, ثم قال: وكان لا ينصف في الحديث. قلت: كيف كان لا ينصف؟ قال: كان يحدث بالشفاعات, ما أحسن الإنصاف في كل شيء.

* عن أبي عبد الله محمد بن القاسم قال: لما عزل إسماعيل بن حماد عن البصرة شيعوه فقالوا: عففت عن أموالنا, وعن دمائنا, فقال إسماعيل بن حماد: وعن أبنائكم. يعرض بيحيى بن أكثم في اللواط.

* عن يحيى بن الليث قال: باع رجل من أهل خراسان جمالًا بثلاثين ألف درهم من مرزبان المجوسي وكيل أم جعفر فمطله بثمنها, وحبسه, فطال ذلك على الرجل, فأتى بعض أصحاب حفص بن غياث, فشاوره فقال: اذهب إليه فقل له: أعطني ألف درهم, وأحيل عليك بالمال الباقي, وأخرج إلى خراسان فإن فعل هكذا, فالقني حتى أشير عليك, ففعل الرجل وأتى مرزبان فأعطاه ألف درهم, فرجع إلى الرجل, فأخبره فقال: عد إليه فقل له: إذا ركبت غدًا فطريقك على القاضي تحضر, وأوكل رجلًا يقبض المال, وأخرج فإذا جلس إلى القاضي فادع عليه ما بقي لك من المال, فإذا أقر حبسه حفص, وأخذت مالك فرجع إلى مرزبان, فسأله فقال: انتظرني بباب القاضي, فلما ركب من الغد وثب إليه الرجل فقال: إن رأيت أن تنزل إلى القاضي حتى أوكل بقبض المال, وأخرج فنزل مرزبان فتقدما إلى حفص بن غياث, فقال الرجل: أصلح الله القاضي, لي على هذا الرجل تسعة وعشرون ألف درهم, فقال حفص: ما تقول يا مجوسي؟ قال: صدق, أصلح الله القاضي. قال: ما تقول يا رجل فقد أقر لك؟ قال: يعطيني مالي أصلح الله القاضي, فأقبل حفص على المجوسي فقال: ما تقول؟ قال: هذا المال على السيدة. قال: أنت أحمق تقر, ثم تقول على السيدة, ما تقول يا رجل؟ قال: أصلح الله القاضي إن أعطاني مالي, وإلا حبسته. قال حفص: ما تقول يا مجوسي؟ قال: المال على السيدة. قال حفص: خذوا بيده إلى الحبس, فلما حبس بلغ الخبر أم جعفر فغضبت, وبعثت إلى السندي وجه إلى مرزبان, وكانت القضاة تحبس الغرماء في الحبس, فعجل السندي فأخرجه, وبلغ حفصًا الخبر, فقال: أحبس أنا, ويخرج السندي لا جلست مجلسي هذا أو يرد مرزبان إلى الحبس, فجاء السندي إلى أم جعفر فقال: الله الله فيَّ, إنه حفص بن غياث, وأخاف من أمير المؤمنين أن يقول لي: بأمر من أخرجته رديه إلى الحبس, وأنا أكلم حفصًا في أمره, فأجابته فرجع مرزبان إلى الحبس, فقالت أم جعفر: يا هارون قاضيك هذا أحمق حبس وكيلى, واستخف به فمره لا ينظر في الحكم, وتولى أمره إلى أبي يوسف, فأمر لها بالكتاب وبلغ حفصًا الخبر, فقال للرجل: احضر لي شهودًا حتى أسجل لك على المجوسي بالمال, فجلس حفص, فسجل على المجوسي وورد كتاب هارون مع خادم له فقال: هذا كتاب أمير المؤمنين. قال: مكانك نحن في شيء حتى نفرغ منه, فقال: كتاب أمير المؤمنين. قال: انظر ما يقال لك فلما فرغ حفص من السجل أخذ الكتاب من الخادم, فقرأه فقال: أقرأ على أمير المؤمنين السلام وأخبره أن كتابه ورد, وقد أنفذت الحكم, فقال الخادم: قد والله عرفت ما صنعت أبيت أن تأخذ كتاب أمير المؤمنين حتى تفرغ مما تريد, والله لأخبرن أمير المؤمنين بما فعلت, فقال حفص: قل له ما أحببت, فجاء الخادم, فأخبر هارون فضحك وقال للحاجب: مر لحفص بن غياث بثلاثين ألف درهم فركب يحيى بن خالد فاستقبل حفصًا منصرفًا من مجلس القضاء, فقال أيها القاضي قد سررت أمير المؤمنين اليوم, وأمر لك بثلاثين ألف درهم, فما كان السبب في هذا, قال: تمم الله نور أمير المؤمنين, وأحسن حفظه وكلاءته, ما زدت على ما أفعل كل يوم, ثم قال: على ذاك ما أعلم إلا أن يكون سجلت على مرزبان المجوسي بما وجب عليه, فقال يحيى بن خالد: فمن هذا سر أمير المؤمنين, فقال حفص: الحمد الله كثيرًا, فقالت أم جعفر لهارون: لا أنا ولا أنت إلا أن تعزل حفصًا فأبى عليها, ثم ألحت عليه, فعزله عن الشرقية, وولاه القضاء على الكوفة, فمكث عليها عشرة سنة.

* عن الحسين بن إسحاق قال: قلت للبحتري الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام, فقال: والله ما ينفعني هذا القول ولا يضير أبا تمام, والله ما أكلت الخبز إلا به, ولوددت أن الأمر كما قالوا, ولكني والله تابع له, لائذ به, آخذ منه, نسيمي يركد عند هوائه, وأرضي تنخفض عند سمائه.

* عن محمد بن عيسى الأنصاري قال: تقدم هشيم بن بشير مع خصم له إلى سلمه بن صالح, وهو على قضاء واسط في زمن الرشيد, فكلم الخصم هشيمًا بكلمة فرفع هشيم يده فلطم الخصم بين يدي سلمه بن صالح, فأمر سلمه بهشيم فضرب عشر درر, وقال: تتعدى على خصمك بحضرتي, فأغضب ذلك مشيخة واسط, فخرجوا إلى بغداد إلى الرشيد, فأقاموا ببابه إلى أن خرج الرشيد إلى مكة فخرجوا بأجمعهم معه, وهم عباد بن العوام, ومحمد بن يزيد, وخالد بن عبد الله, وغيرهم من المشيخة, فلما صاروا إلى مكة اعترضوا الرشيد, وهو يطوف بالبيت, فكلموه في أمر سلمة فقالوا: يا أمير المؤمنين لسنا نطعن على سلمه, ولكن رجل مكان رجل, فرق لهم الرشيد, وقال: أما هذا فنعم, فأمر بعزله, وتقليد رجل سواه.

* عن مصعب بن عبد الله عن عمر بن الهياج بن سعيد أخي مجالد بن سعيد قال: كنت من صحابة شريك فأتيته يومًا, وهو في منزله باكرًا فخرج إليَّ في فرو ليس تحته قميص عليه كساء فقلت له: قد أضحت عن مجلس الحكم, فقال: غسلت ثيابي أمس, فلم تجف, فأنا أنتظر جفوفها اجلس فجلست, فجعلنا نتذاكر باب العبد يتزوج بغير إذن مواليه, فقال: ما عندك فيه؟ ما تقول فيه؟ وكانت الخيزران قد وجهت رجلًا نصرانيًا على الطراز بالكوفة, وكتب إلى موسى بن عيسى أن لا يعصي له أمرًا فكان مطاعًا بالكوفة, فخرج علينا ذلك اليوم من زقاق يخرج إلى النخع معه جماعة من أصحابه عليه جبة خز وطيلسان على برذون فاره, وإذا رجل بين يديه مكتوف, وهو يقول: واغوثا بالله أنا بالله, ثم بالقاضي, وإذا آثار سياط في ظهره فسلم على شريك, وجلس إلى جانبه, فقال الرجل المضروب: أنا بالله, ثم بك, أصلحك الله, أنا رجل أعمل هذا الوشي كراء مثلي مائة في الشهر أخذني هذا مذ أربعة اشهر, فاحتبسني في طراز يجري على القوت ولي عيال قد ضاعوا فأفلت اليوم منه فلحقني, ففعل بظهري ما ترى, فقال: قم يا نصراني فاجلس مع خصمك, فقال: أصلحك الله يا أبا عبد الله هذا من خدم السيدة مر به إلى الحبس. قال: قم ويلك فاجلس معه كما يقال لك, فجلس فقال: ما هذه الآثار التي بظهر هذا الرجل من أثرها به؟ قال: أصلح الله القاضي إنما ضربته أسواطًا بيدي, وهو يستحق أكثر من هذا مر به إلى الحبس, فألقى شريك كساءه ودخل داره فأخرج سوطًا ربذيًا, ثم ضرب بيده إلى مجامع ثوب النصراني, وقال للرجل: انطلق إلى أهلك, ثم رفع السوط فجعل يضرب به النصراني, وهو يقول له: يا صبحى قد مر قفا جمل لا يضرب والله المسلم بعدها أبدًا فهم أعوانه أن يخلصوه من يديه فقال من هاهنا من فتيان الحي: خذوا هؤلاء فاذهبوا بهم إلى الحبس, فهرب القوم جميعًا, وأفردوا النصراني فضربه أسواطًا فجعل النصراني يعصر عينيه ويبكي ويقول له: ستعلم فألقى السوط في الدهليز, وقال يا أبا حفص ما تقول في العبد يتزوج بغير إذن مواليه؟ وأخذ فيما كنا فيه كأنه لم يصنع شيئًا, وقام النصراني إلى البرذون ليركبه فاستعصى عليه, ولم يكن له من يأخذ بركابه فجعل يضرب البرذون. قال: يقول له شريك: ارفق به ويلك فإنه أطوع لله منك فمضى. قال: يقول هو: خذ بنا فيما كنا فيه. قال: قلت: ما لنا ولذا قد والله فعلت اليوم فعلة ستكون لها عاقبة مكروهة. قال: أعز أمر الله يعزك الله, خذ بنا فيما نحن فيه, قال: وذهب النصراني إلى موسى بن عيسى فدخل عليه, فقال: من فعل هذا بك؟ وغضب الأعوان, وصاحب الشرط, فقال: شريك فعل بي كيت وكيت. قال: لا والله ما أتعرض لشريك, فمضى النصراني إلى بغداد فما رجع.

* عن عمر بن الهياج قال: اتته امرأة يومًا - يعني شريكًا - من ولد جرير بن عبد الله البجلي صاحب النبي وهو في مجلس الحكم فقالت: أنا بالله, ثم بالقاضي امرأة من ولد جرير بن عبد الله صاحب النبي ورددت الكلام فقال: أيها عنك الآن من ظلمك. فقالت: الأمير موسى بن عيسى كان لي بستان على شاطئ الفرات لي فيه نخل ورثته من آبائي, وقاسمت اخوتي, وبنيت بيني وبينهم حائطًا وجعلت فيه فارسيا في بيت يحفظ النخل ويقوم ببستاني فاشترى الأمير موسى بن عيسى من اخوتي جميعًا, وساومني وأرغبني فلم أبعه, فلما كان في هذه الليلة بعث بخمسمائة فاعل فاقتلعوا الحائط فأصبحت لا أعرف من نخلي شيئًا, واختلط بنخل اخوتي, فقال: يا غلام طينة فختم, ثم قال لها: أمضى إلى بابه حتى يحضر معك, فجاءت المرأة بالطينة فأخذها الحاجب, ودخل على موسى فقال: اعدى شريك عليك. قال: ادع لي صاحب الشرط, فدعا به, فقال: امض إلى شريك فقل: يا سبحان الله ما رأيت أعجب من أمرك, امرأة ادعت دعوى لم تصح أعديتها عليَّ. قال: يقول له صاحب الشرط: إن رأى الأمير أن يعفيني فليفعل, فقال: امض ويلك فخرج فأمر غلمانه أن يتقدموا إلى الحبس بفراش وغيره من آلة الحبس, فلما جاء فوقف بين يدي شريك, فأدى الرسالة. قال: خذ بيده فضعه في الحبس. قال: قد والله يا أبا عبد الله عرفت أنك تفعل بي هذا, فقدمت ما يصلحني إلى الحبس, وبلغ موسى بن عيسى يعني الخبر, فوجه الحاجب إليه, فقال: هذا من ذاك رسول أي شيء عليه, فلما وقف بين يديه, وأدى الرسالة قال: الحقه بصاحبه فحبس, فلما صلى الأمير العصر بعث إلى إسحاق بن الصباح الأشعثي, وجماعة من وجوه الكوفة من أصدقاء شريك, فقال: امضوا إليه, وابلغوه السلام, وأعلموه أنه قد استخف بي, وإني لست كالعامة, فمضوا, وهو جالس في مسجده بعد العصر فدخلوا, فابلغوه الرسالة, فلما انقضى كلامهم قال لهم: ما لي لا أراكم جئتم في غيره من الناس كلمتموني من هاهنا من فتيان الحي, فيأخذ كل واحد منكم بيد رجل, فيذهب به إلى الحبس لا ينم والله إلا فيه. قالوا: أجاد أنت. قال: حقًا حتى لا تعودوا برسالة ظالم فحبسهم, وركب موسى بن عيسى في الليل إلى باب الحبس ففتح الباب, وأخرجهم جميعًا, فلما كان الغد وجلس شريك للقضاء جاء السجان فأخبره, فدعا بالقمطر فختمها ووجه بها إلى منزله, وقال لغلامه: الحقني بثقلي إلى بغداد والله ما طلبنا هذا الأمر منهم, ولكن أكرهونا عليه, ولقد ضمنوا لنا الإعزاز فيه إذ تقلدناه لهم ومضوا نحو قنطرة الكوفة إلى بغداد, وبلغ موسى بن عيسى الخبر فركب في موكبه فلحقه, وجعل يناشده الله ويقول: يا أبا عبد الله تثبت, انظر إخوانك تحبسهم دع أعواني. قال: نعم لأنهم مشوا لك في أمر لم يجب عليهم المشي فيه, ولست ببارح, أو يردوا جميعًا إلى الحبس وإلا مضيت إلى أمير المؤمنين, فأستعفيته مما قلدني, وأمر بردهم جميعًا إلى الحبس, وهو والله واقف في مكانه حتى جاءه السجان فقال: قد رجعوا إلى الحبس, فقال لأعوانه: خذوا بلجامه قودوه بين يدي جميعًا إلى مجلس الحكم, فمروا به بين يديه حتى أدخل المسجد, وجلس مجلس القضاء, ثم قال: الجويرية المتظلمة من هذا فجاءت فقال: هذا خصمك قد حضر وهو جالس معها بين يديه, فقال: أولئك يخرجون من الحبس قبل كل شيء. قال: أما الآن فنعم, أخرجوهم. قال: ما تقول فيما تدعيه هذه؟ قال: صدقت. قال: فرد جميع ما أخذ منها, وتبني حائطًا في وقت واحدا سريعًا كما هدم. قال: أفعل. قال: بقي لك شيء. قال: تقول المرأة: بيت الفارسي ومتاعه. قال: يقول موسى بن عيسى: ويرد ذلك, بقي لك شيء تدعينه. قالت: لا, وجزاك الله خيرًا. قال: قومي وزبرها, ثم وثب من مجلسه, فأخذ بيد موسى بن عيسى, فأجلسه في مجلسه, ثم قال: السلام عليك أيها الأمير تأمر بشيء. قال: أي شيء آمر؟! وضحك.

* عن يحيى بن أكثم قال: كنت أمشي يومًا مع المأمون في بستان موسى في ميدان البستان, والشمس عليَّ وهو في الظل فلما رجعنا قال لي: كن الآن أنت في الظل فأبيت عليه, فقال: أول العدل أن يعدل الملك في بطانته, ثم الذين يلونهم حتى يبلغ إلى الطبقة السفلى.

* عن الحسين بن زيد قال: سب رجل عبد الله بن حسن بن حسن فأعرض عنه عبيد الله, فقيل له: لِمَ لا تجبه؟ قال: لم أعرف مساويه, وكرهت بهته بما ليس فيه.

* عن محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر قال: بلغني أن أبا خازم القاضي جلس في الشرقية, وهو قاضيها للحكم فارتفع إليه خصمان فاجترأ أحدهما بحضرته بما أوجب التأديب فأمر بتأديبه وأدب فمات في الحال, فكتب إلى المعتضد من المجلس أعلم أمير المؤمنين أطال الله بقاءه أن خصمين حضراني فاجترأ أحدهما بما أوجب عليه معه الأدب عندي فأمرت بتأديبه فأدب فمات, فإذا كان المراد به مصلحة المسلمين فمات في الأدب فالدية واجبة في بيت مال المسلمين, فإن رأى أمير المؤمنين أطال الله بقاءه أن يأمر بحمل الدية إليَّ لأحملها إلى ورثته فعل. قال: فعاد الجواب إليه بأنا قد أمرنا بحمل الدية إليك, وحمل إليه عشرة آلاف درهم, فأحضر ورثة المتوفي ودفعها إليهم.

* عن الهرمزان قال: أنه مرّ بعمر بن الخطاب, وهو مضطجع في المسجد. فقال: هذا والله الملك الخفي.

* عن أبي الحسن الدار قطني قال: أنه حضره في المجلس أملاه يوم الجمعة فصحف اسمًا أورده في إسناد حديث، إما كان حبان، فقال حيان، أو حيان فقال حبان قال أبو الحسن: فأعظمت أن يحمل عن مثله في فضله وجلالته وهم, وهبته أن أوقفه على ذلك، فلما انقضى الإملاء تقدمت إلى المستملي وذكرت له وهمه، وعرفته صواب القول فيه، وانصرفت، ثم حضرت الجمعة الثانية مجلسه فقال أبو بكر للمستملي: عرف جماعة الحاضرين أنا صحفنا الاسم الفلاني لما أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية، ونبهنا ذلك الشاب على الصواب, وهو كذا، وعرّف ذلك الشاب أنا رجعنا إلى الأصل فوجدناه كما قال.

* عن أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري قال: كنت بحضرة أبي عمر القاضي وجماعة من شهوده وخلفائه الذين يأنس بهم, فأحضروا ثوبًا يمانيًا قيل له في ثمنه خمسين دينارًا، فاستحسنه كل من حضر المجلس. فقال: يا غلام، هات القلانسي. فجاء، فقال: اقطع جميع هذا الثوب قلانس، واحمل إلى كل واحد من أصحابنا قلنسوة، ثم التفت إلينا فقال: إنكم استحسنتموه بأجمعكم، ولو استحسنه واحد لوهبته له، فلما اشتركتم في استحسانه لم أجد طريقًا إلى أن يحصل لكل واحد شيء منه إلا بأن أجعله قلانس، فيأخذ كل واحد منكم واحدة منها.

* عن سفيان بن عيينة قال: إذا وافقت السريرة العلانية فذلك العدل, وإذا كانت السريرة أفضل من العلانية فذلك الفضل, وإذا كانت العلانية أفضل من السريرة فذلك الجور.

* قال إسماعيل بن إسحاق السراج: قال لي أحمد بن حنبل يومًا: يبلغني أن الحارث هذا ـ يعني المحاسبي ـ يكثر الكون عندك، فلو أحضرته منزلك وأجلستني من حيث لا يراني فاسمع كلامه؟ فقلت: السمع والطاعة لك يا أبا عبد الله وسرني هذا الابتداء من أبي عبد الله، فقصدت الحارث وسألته أن يحضرنا تلك الليلة، فقلت وتسل أصحابك أن يحضروا معك، فقال: يا إسماعيل فيهم كثرة فلا تزدهم على الكُسْب والتمر، وأكثر منهما ما استطعت، ففعلت ما أمرني به، وانصرفت إلى أبي عبد الله فأخبرته، فحضر بعد المغرب وصعد غرفة في الدار، فاجتهد في ورده إلى أن فرغ، وحضر الحارث وأصحابه فأكلوا، ثم قاموا لصلاة العتمة ولم يصلوا بعدها، وقعدوا بين يدي الحارث، وهم سكوت لا ينطق واحد منهم إلى قريب من نصف الليل، فابتدأ واحد منهم وسأل الحارث عن مسألة، فأخذ في الكلام وأصحابه يستمعون، وكأن على رؤوسهم الطير، فمنهم من يبكي، ومنهم من يزعق، وهو في كلامه. فصعدت الغرفة لأتعرَّف حال أبي عبد الله، فوجدته قد بكى حتى غشي عليه، فانصرفت إليهم ولم تزل تلك حالهم حتى أصبحوا فقاموا وتفرقوا، فصعدت إلى أبي عبد الله وهو متغير الحال، فقلت: كيف رأيت هؤلاء يا أبا عبد الله؟ فقال: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل، وعلى ما وصفت من أحوالهم فإني لا أرى لك صحبتهم ثم قام وخرج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت