* عن صلة بن سليمان قال: كان على قضاء المدائن سعد بن حذيفة بن اليمان، وكلمه بن جعدة بن هبيرة في شيء من الحكم، وبين يديه نار، فقال له سعد بن حذيفة: ضع إصبعك هذه في هذه النار، قال: سبحان الله تأمرني أن أحرق بعض جسدي، قال: فأنت تأمرني أن أحرق جسدي كله.
* عن أبي الحسين قال: وبلغ من شدت عبد الحميد بن عبد العزيز القاضي الحنفي في الحكم أن المعتضد وجه إليه بطريف المخلدي، فقال له: إن على الضيعي بيع وكان للمعتضد ولغيره مال، وقد بلغني أن غرماءه أثبتوا عندك، وقد قسطت لهم من ماله، فاجعلنا كأحدهم فقال له: أبو خازم قل له أمير المؤمنين أطال الله بقاءه ذاكر لما قال لي وقت قلدني، إنه قد أخرج الأمر من عنقه، وجعله في عنقي ولا يجوز لي أن أحكم في مال رجل لمدع إلا ببينة، فرجع إليه طريف فأخبره فقال: قل له: فلان وفلان يشهدان يعني لرجلين جليلين كانا في ذلك الوقت فقال: يشهدان عندي واسأل عنهما فإن زكيا قبلت شهادتهما، وإلا أمضيت ما قد ثبت عندي فامتنع أولئك من الشهادة فزعًا ولم يدفع إلى المعتضد شيئًا.
* عن الحسين بن شداد قال: كان عمر بن حبيب على قضاء الرصافة لهارون الرشيد، فاستعدى إليه رجل على عبد الصمد بن علي فاعداه عليه، فأبى عبد الصمد أن يحضر مجلس الحكم، فختم عمر بن حبيب قمطره وقعد في بيته، فرفع ذلك إلى هارون الرشيد، فأرسل إليه فقال: ما منعك أن تجلس للقضاء؟ فقال: أعدى على رجل فلم يحضر مجلسي قال: ومن هو؟ قال: عبد الصمد بن علي، فقال هارون: والله لا يأتي مجلسك إلا حافيًا، قال: وكان عبد الصمد شيخًا كبيرًا. قال: فبسطت له اللبود من باب قصره إلى مسجد الرصافة، فجعل يمشي ويقول: أتعبني أمير المؤمنين، أتعبني أمير المؤمنين، فلما صار إلى مجلس عمر بن حبيب، أراد أن يساويه في المجلس فصاح به عمر وقال: اجلس مع خصمك. قال: فتوجه الحكم على عبد الصمد فحكم عليه، وسجل به فقال عبد الصمد: لقد حكمت علي بحكم لا يجاوز أصل أذنك. فقال عمر: أما إني قد طوقتك بطوق لا يفكه عنك الحدادون قم.
* عن أبي القاسم عبيد الله بن سليمان قال: كنت أكتب لموسى بن بغا، وكنا بالري، وقاضيها إذ ذاك أحمد بن بديل الكوفي فاحتاج موسى أن يجمع ضيعة هناك كان فيها سهام ويعمرها، وكان فيها سهم ليتيم، فصرت إلى أحمد بن بديل أو فاستحضرت أحمد بن بديل وخاطبته في أن يبيع علينا حصة اليتيم، ويأخذ الثمن فامتنع وقال: ما باليتيم حاجة إلى البيع ولا آمن أن أبيع ماله وهو مستغن عنه، فيحدث على المال حادثه فأكون قد ضيعته عليه. فقلت إنا نعطيك في ثمن حصته ضعف قيمتها، فقال: ما هذا لي بعذر في البيع والصورة في المال إذا كثر مثلها إذا قل، قال: فأدركته بكل لون، وهو يمتنع فاضجرنى، فقلت له: أيها القاضي ألا تفعل فإنه موسى بن بغا فقال لي: أعزك الله إنه الله تبارك وتعالى، قال: فاستحييت من الله أن أعاوده بعد ذلك، وفارقته فدخلت على موسى فقال: ما عملت في الضيعة فقصصت عليه الحديث فلما سمع إنه الله، بكى وما زال يكررها ثم قال لا تعرض لهذه الضيعة، وانظر في أمر هذا الشيخ الصالح، فإن كانت له حاجة فاقضها، قال: فأحضرته وقلت له: إن الأمير قد أعفاك من أمر الضيعة وذلك إني شرحت له ما جرى بيننا، وهو يعرض عليك قضاء حوائجك قال فدعا له، وقال: هذا الفعل احفظ لنعمته وما لي حاجة إلا إدرار رزقي فقد تأخر منذ شهور وأضرني ذلك قال: فأطلقت له جارية.
* عن أبي هاشم الرفاعي أن حفص بن غياث أنه كان جالسًا في الشرقية للقضاء، فأرسل إليه الخليفة يدعوه، فقال له: حتى أفرغ من أمر الخصوم إذ كنت أجيرًا لهم، وأصير إلى أمير المؤمنين، ولم يقم حتى تفرق الخصوم.
* عن يحيى بن عبد الصمد قال: خوصم موسى أمير المؤمنين إلى أبي يوسف في بستانه، فكان الحكم في الظاهر لأمير المؤمنين، وكان الأمر على خلاف ذلك فقال أمير المؤمنين: لأبي يوسف ما صنعت في الأمر الذي يتنازع إليك فيه، قال: خصم أمير المؤمنين يسألني أن أحلف أمير المؤمنين أن شهوده شهدوا على حق. فقال له موسى: وترى ذلك، قال: قد كان ابن أبي ليلى يراه، قال: فأردد البستان عليه وإنما احتال عليه أبو يوسف.
* عن يحيى بن الليث قال: باع رجل من أهل خراسان جمالًا بثلاثين ألف درهم من مرزبان المجوسي، وكيل أم جعفر فمطله بثمنها وحبسه، فطال ذلك على الرجل فأتى بعض أصحاب حفص بن غياث فشاوره، فقال: اذهب إليه فقل له: أعطني ألف درهم وأحيل عليك بالمال الباقي وأخرج إلى خراسان، فإن فعل هكذا فالقني حتى أشير عليك ففعل الرجل، وأتى مرزبان فأعطاه ألف درهم، فرجع إلى الرجل فأخبره فقال: عد إليه فقل له إذا ركبت غدًا فطريقك على القاضي، تحضر وأوكل رجلًا يقبض المال، وأخرج فإذا جلس إلى القاضي فادع عليه ما بقي لك من المال، فإذا أقر حبسه حفص، وأخذت مالك فرجع إلى مرزبان فسأله، فقال: انتظرني بباب القاضي فلما ركب من الغد وثب إليه الرجل فقال، إن رأيت أن تنزل إلى القاضي حتى أوكل بقبض المال وأخرج، فنزل مرزبان فتقدما إلى حفص بن غياث، فقال الرجل: اصلح الله القاضي لي على هذا الرجل تسعة وعشرون ألف درهم فقال حفص: ما تقول يا مجوسي؟ قال: صدق. أصلح الله القاضي، قال: ما تقول يا رجل؟ فقد أقر لك، قال: يعطيني مالي، أصلح الله القاضي. فاقبل حفص على المجوسي فقال: ما تقول؟ قال: هذا المال على السيدة، قال: أنت أحمق تقر ثم تقول على السيدة، ما تقول يا رجل؟ قال: أصلح الله القاضي، إن أعطاني مالي وإلا حبسته قال حفص: ما تقول يا مجوسي؟ قال المال على السيدة، قال حفص: خذوا بيده إلى الحبس فلما حبس، بلغ الخبر أم جعفر فغضبت، وبعثت إلى السندي وجه إلى مرزبان، وكانت القضاة تحبس الغرماء في الحبس فعجل السندي، فأخرجه وبلغ حفصًا الخبر، فقال: أحبس أنا ويخرج السندي لا جلست مجلسي هذا أو يرد مرزبان إلى الحبس، فجاء السندي إلى أم جعفر فقال: الله الله فيّ إنه حفص بن غياث، وأخاف من أمير المؤمنين أن يقول لي: بأمر من أخرجته رديه إلى الحبس، وأنا أكلم حفصًا في أمره فأجابته، فرجع مرزبان إلى الحبس، فقالت أم جعفر: يا هارون قاضيك هذا أحمق، حبس وكيلي واستخف به، فمره لا ينظر في الحكم وتولي أمره إلى أبي يوسف، فأمر لها بالكتاب وبلغ حفصًا الخبر، فقال للرجل: احضر لي شهودًا حتى أسجل لك على المجوسي بالمال فجلس حفص فسجل على المجوسي وورد كتاب هارون مع خادم له فقال: هذا كتاب أمير المؤمنين، قال: مكانك، نحن في شيء حتى نفرغ منه، فقال: كتاب أمير المؤمنين، قال: انظر ما يقال لك فلما فرغ حفص من السجل، أخذ الكتاب من الخادم فقرأه، فقال: أقرأ على أمير المؤمنين السلام، وأخبره أن كتابه ورد وقد أنفذت الحكم، فقال الخادم: قد والله عرفت ما صنعت أبيت أن تأخذ كتاب أمير المؤمنين حتى تفرغ مما تريد، والله لأخبرن أمير المؤمنين بما فعلت، فقال حفص: قل له ما أحببت. فجاء الخادم فأخبر هارون فضحك وقال للحاجب: مر لحفص بن غياث بثلاثين ألف درهم، فركب يحيى بن خالد فاستقبل حفصًا منصرفًا من مجلس القضاء، فقال: أيها القاضي قد سررت أمير المؤمنين اليوم، وأمر لك بثلاثين ألف درهم، فما كان السبب في هذا؟ قال: تمم الله نور أمير المؤمنين، وأحسن حفظه وكلاءته ما زدت على ما أفعل كل يوم، ثم قال: على ذاك ما أعلم، إلا أن يكون سجلت على مرزبان المجوسي بما وجب عليه، فقال يحيى بن خالد: فمن هذا سر أمير المؤمنين، فقال حفص: الحمد الله كثيرًا، فقالت أم جعفر لهارون: لا أنا ولا أنت إلا أن تعزل حفصًا، فأبى عليها ثم ألحت عليه فعزله عن الشرقية، وولاه القضاء على الكوفة فمكث عليها ثلاث عشرة سنة.
* عن محمد بن عيسى الأنصاري قال: تقدم هشيم بن بشير مع خصم له إلى سلمه بن صالح، وهو على قضاء واسط في زمن الرشيد، فكلم الخصم هشيمًا بكلمة، فرفع هشيم يده فلطم الخصم بين يدي سلمه بن صالح، فأمر سلمه بهشيم فضرب عشر درر، وقال: تتعدى على خصمك بحضرتي. فاغضب ذلك مشيخة واسط، فخرجوا إلى بغداد إلى الرشيد فأقاموا ببابه إلى أن خرج الرشيد إلى مكة، فخرجوا بأجمعهم معه، وهم عباد بن العوام ومحمد بن يزيد وخالد بن عبد الله وغيرهم من المشيخة، فلما صاروا إلى مكة اعترضوا الرشيد وهو يطوف بالبيت فكلموه في أمر سلمه فقالوا: يا أمير المؤمنين لسنا نطعن على سلمه، ولكن رجل مكان رجل فرق لهم الرشيد وقال: أما هذا فنعم، فأمر بعزله وتقليد رجل سواه.
* عن مصعب بن عبد الله عن عمر بن الهياج بن سعيد أخي مجالد بن سعيد قال: كنت من صحابة شريك فأتيته يومًا, وهو في منزله باكرًا فخرج إليَّ في فرو ليس تحته قميص عليه كساء فقلت له: قد أضحت عن مجلس الحكم, فقال: غسلت ثيابي أمس, فلم تجف, فأنا أنتظر جفوفها اجلس فجلست, فجعلنا نتذاكر باب العبد يتزوج بغير إذن مواليه, فقال: ما عندك فيه؟ ما تقول فيه؟ وكانت الخيزران قد وجهت رجلًا نصرانيًا على الطراز بالكوفة, وكتب إلى موسى بن عيسى أن لا يعصي له أمرا فكان مطاعًا بالكوفة, فخرج علينا ذلك اليوم من زقاق يخرج إلى النخع معه جماعة من أصحابه عليه جبة خز وطيلسان على برذون فاره, وإذا رجل بين يديه مكتوف, وهو يقول: واغوثا بالله أنا بالله, ثم بالقاضي, وإذا آثار سياط في ظهره فسلم على شريك, وجلس إلى جانبه, فقال الرجل المضروب: أنا بالله, ثم بك, أصلحك الله, أنا رجل أعمل هذا الوشي كراء مثلي مائة في الشهر أخذني هذا مذ أربعة اشهر, فاحتبسني في طراز يجري على القوت ولي عيال قد ضاعوا فأفلت اليوم منه فلحقني, ففعل بظهري ما ترى, فقال: قم يا نصراني فاجلس مع خصمك, فقال: أصلحك الله يا أبا عبد الله هذا من خدم السيدة مر به إلى الحبس. قال: قم ويلك فاجلس معه كما يقال لك, فجلس فقال: ما هذه الآثار التي بظهر هذا الرجل من أثرها به؟ قال: أصلح الله القاضي إنما ضربته أسواطًا بيدي, وهو يستحق أكثر من هذا مر به إلى الحبس, فألقى شريك كساءه ودخل داره فأخرج سوطًا ربذيًا, ثم ضرب بيده إلى مجامع ثوب النصراني, وقال للرجل: انطلق إلى أهلك, ثم رفع السوط فجعل يضرب به النصراني, وهو يقول له: يا صبحى قد مر قفا جمل لا يضرب والله المسلم بعدها أبدًا فهم أعوانه أن يخلصوه من يديه فقال من هاهنا من فتيان الحي: خذوا هؤلاء فاذهبوا بهم إلى الحبس, فهرب القوم جميعًا, وأفردوا النصراني فضربه أسواطًا فجعل النصراني يعصر عينيه ويبكي ويقول له: ستعلم فألقى السوط في الدهليز, وقال يا أبا حفص ما تقول في العبد يتزوج بغير إذن مواليه؟ وأخذ فيما كنا فيه كأنه لم يصنع شيئا, وقام النصراني إلى البرذون ليركبه فاستعصى عليه, ولم يكن له من يأخذ بركابه فجعل يضرب البرذون. قال: يقول له شريك: ارفق به ويلك فإنه أطوع لله منك فمضى. قال: يقول هو: خذ بنا فيما كنا فيه. قال: قلت: ما لنا ولذا قد والله فعلت اليوم فعلة ستكون لها عاقبة مكروهة. قال: أعز أمر الله يعزك الله, خذ بنا فيما نحن فيه, قال: وذهب النصراني إلى موسى بن عيسى فدخل عليه, فقال: من فعل هذا بك؟ وغضب الأعوان, وصاحب الشرط, فقال: شريك فعل بي كيت وكيت. قال: لا والله ما أتعرض لشريك, فمضى النصراني إلى بغداد فما رجع.
* عن أبي عبد الله قال: كتب المهدي إلى عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة يأمره انظر إلى الأرض التي يخاصم فيها فلان التاجر فلان القائد، فاقض بها للقائد، قال: اجمع شهودًا فجمع جماعة فكتب عليه حكمًا للتاجر ثم قال: اذهب الآن فقد طوقتك طوقًا لا يفكه عنك خمسون قينًا قال: فعزله المهدي.
* عن الحسين بن علي الصيمري قال: كان عبيد الله بن سليمان خاطب عبد الحميد بن عبد العزيز القاضي الحنفي في بيع ضيعة ليتيم تجاور بعض ضياعه، فكتب إليه إن رأى الوزير أعزه الله أن يجعلني أحد رجلين إما رجلًا صين الحكم به، أو صين الحكم عنه. والسلام.
* عن أبي عمر القاضي: قدم إليه بن النديم بن المنجم في شيء كان بينهما، فقال له بن المنجم: إن هذا يدِل بخاصة له عند القاضي. فقال أبو عمر: ما أنكرها! و إنها لنافعة له عندي، غير ضارة لك. إن كان الحق له كفيناه مؤنة اجتذابه، وإن كان عليه سلمناه إليك من غير استذلال له.