فهرس الكتاب

الصفحة 331 من 593

* عن أحمد بن أبي فنن قال:

صب بحب متيم صب ... حبيه فوق نهاية الحب

أدميت باللحظات وجنته ... فاقتص ناظره من القلب

عن علي بن أيوب القمى أخبرنا محمد بن عمران المرزباني حدثني علي بن هارون قال: حدثني عمى يحيى بن علي قال قال أحمد بن أبي فنن قولي:

صب بحب متيم صب ... حبيه فوق نهاية الحب

أشكو إليه صنيع جفوته ... فيقول مت بتأثر الخطب

وإذا نظرت إلى محاسنه ... أخرجته عطلا من الذنب

أدميت باللحظات وجنته ... فاقتص ناظره من القلب

قال علي بن هارون: وهذا البيت الأخير من هذه الأبيات هو عينها وأخذه ابن أبي فنن مما أنشدنيه أبي لإبراهيم بن المهدي:

يا من لقلب صيغ من صخرة…في جسد من لؤلؤ رطب

جرحت خديه بلحظي فما… برحت حتى اقتص من قلبي

* عن أبي بكر بن داود الأصبهاني قال:

يا بن داود يا فقيه العراق…افتنا في قواتل الأحداق

هل عليها القصاص في القتل يومًا…أم حلال لها دم العشاق

فأجابه بن داود:

عندي جواب مسائل العشاق ... أسمعه من قلق الحشا مشتاق

لما سألت عن الهوى أهل الهوى ... أجريت دمعا لم يكن بالراق

أخطأت في نفس السؤال وإن تصب ... تك في الهوى شنقا من الأشناق

لو أن معشوقا يعذب عاشقا ... كان المعذب أنعم العشاق

* قال أبو علي الروذباري:

أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال المحرما

وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه ... على جامد الصلت الأصم تهدما

ويظهر سري عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاس الطرف عنه تكلما

رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فما إن أرى حبا صحيحا مسلما

* عن أحمد بن محمد بن مسروق قال: الحب قيد المحبين إذا صح, وزمام المحبوبين إلى المحبين, تعطف من الحق على المحبوب بصدقه.

* قال الأصمعي: كان الرشيد شديد الحب لهيلانة، وكانت قبله ليحيى بن خالد، فدخل يومًا إلى يحيى قبل الخلافة فلقيته في ممر فأخذت بكميه فقالت: نحن لا يصيبنا منك يوم مرة. فقال لها: بلى! فكيف السبيل إلى ذلك؟ قالت: تأخذني من هذا الشيخ فقال ليحيى: أحب أن تهب لي فلانة، فوهبها له حتى غلبت عليه، وكانت تكثر أن تقول: هي إلانه فسماها هيلانة.

فأقامت عنده ثلاث سنين ثم ماتت، فوجد عليها وجدًا شديدًا وأنشد:

أقول لما ضمنوك الثرى ... وجالت الحسرة في صدري

اذهب فلا والله لا سرني ... بعدك شيء آخر الدهر

وعن محمد بن عبد الرحمن قال: لما توفيت هيلانة جارية الرشيد أمر العباس بن الأحنف أن يرثيها فقال:

يا من تباشرت القبور لموتها ... قصد الزمان مساءتي فرماك

أبغي الأنيس فلا أرى لي مؤنسا ... إلا التردد حيث كنت أراك

ملك بكاك وطال بعدك حزنه ... لو يستطيع بملكه لفداك

يحمي الفؤاد عن النساء حفيظة ... كيلا يحل حمى الفؤاد سواك

فأمر له بأربعين ألف درهم لكل بيت عشرة آلاف درهم وقال: لو زدتنا لزدناك.

* عن نفطويه قال: دخلت على محمد بن داود الأصبهاني في مرضه الذي مات فيه فقلت له: كيف تجدك؟ فقال: حب من تعلم أورثني ما ترى, فقلت: ما منعك من الاستمتاع به مع القدرة عليه؟ فقال: الاستمتاع على وجهين, أحدهما: النظر المباح, والثاني: اللذة المحظورة, فأما النظر المباح, فأورثني ما ترى, وأما اللذة المحظورة, فإنه منعني منها ما حدثني به أبي حدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من عشق وكتم وعف وصبر غفر الله له وأدخله الجنة» ثم أنشد لنفسه:

أنظر إلى السحر يجري في لواحظه ... وانظر إلى دعج في طرفه الساجي

وانظر إلى شعرات فوق عارضه ... كأنهن نمال دب في عاج

وأنشدنا لنفسه:

ما لهم أنكروا سوادا بخدي ... هـ ولا ينكرون ورد الغصون

إن يكن عيب خده بدد الش ... عر فعيب العيون شعر الجفون

فقلت له: نفيت القياس في الفقه, وأثبته في الشعر, فقال: غلبة الهوى, وملكة النفوس دعوا إليه.

* عن سكينة مرت بعروة بن أذينة فقالت له: يا أبا عامر أنت الذي تقول:

يا نظرة لي ضرت يوم ذي سلم ... حتى متى لي هذا الضر في نظري

قالت- وأبسستها سري فبحت به- ... قد كنت عندي تحب الستر، فاستتر

ألست تبصر من حولي؟ فقلت لها ... غطي هواك وما ألقى على بصري

وأنت القائل:

إذا وجدت أذى للحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم أبترد

هذا بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لحر على الأحشاء يتقد

قالت هن حرائر وأشارت إلى جواريها إن كان خرج هذا من قلب سليم.

* عن ابن السكيت قال: أن محمد بن عبد الله بن طاهر عزم على الحج, فخرجت إليه جارية له شارعة, فبكت لما رأت آلة السفر, فقال محمد بن عبد الله:

دمعة كاللؤلؤ الرط ... ب على الخد الأسيل

هطلت في ساعة البي ... ن من الطرف الكحيل

ثم قال لها: أجيزيني, فقالت:

حين هم القمر البا ... هر عنا بالأفول

إنما تفتضح العش ... شاق في وقت الرحيل

* كتب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى جارية كان يحبها ماذا تقولين فيمن شفة سقم من جهد حبك حتى صار حيرانا؟

فأجابته:

إذا رأينا محبا قد أضر به…جهد الصبابة أوليناه إحسانا

* عن ابراهيم الحربي قال:

أنكرت ذلي فأي شيء ... أحسن من ذلة المحب

أليس شوقي وفيض دمعي ... وضعف جسمي شهود حبي

قال إبراهيم: هؤلاء شهود ثقات.

* عن أبي الحسن علي ابن عمر الدارقطني قال: كان أبوحامد المروروذي قليل الدخول على بن أبي حامد صاحب بيت المال الذي كان يسكن في الدار المنسوبة إلى ابن فسانجس على نهر عيسى, وكان في مجلسه رجل من المتفقهة فغاب عنه أيامًا فسأل عنه, فأخبر أنه متشاغل بأمر قد قطعه عن حضور المجلس, فأحضره وسأله عن حاله, فذكر أنه كان قد اشترى جارية لنفسه, وأنه انقطعت به النفقة, وضاقت يده في تلك السنة لانقطاع المادة عنه من بلده, وكان عليه دين لجماعة من السوقة لم يجد قضاء لذلك دون أن باع الجارية, فلما أن قبض الثمن تذكرها وتشوق إليها واستوحش من بعدها عنه حتى لم يمكنه التشاغل بفقه ولا بغيره من شدة تعلق قلبه بها, وذكر أن ابن أبي حامد قد اشتراها فأوجبت الحال مضى أبي حامد الفقيه إلى ابن أبي حامد يسأله الإقالة وأخذ المال من البائع فمضى ومعه الرجل فحين استأذن على ابن أبي حامد أذن له في الحال, فلما دخل عليه قربه, واستقبله وقام إليه, وأكرمه غاية الإكرام, وسأله عن حاله, وعما جاء له فأخبره أبوحامد بخبر الفقيه وبيع الجارية, وسأله قبض المال ورد الجارية على صاحبها, فلم يعرف ابن أبي حامد للجارية خبرًا, ولا كان عنده علم من أمرها, وذاك أن امرأته كانت اشترتها, ولم يعلم بذلك فورد عليه من ذلك مورد تبين في وجهه, ثم قام ودخل على امرأته فسألها عن جارية اشتريت من سوق النخاسين على الصفة والنعت, فصادف ذلك أن امرأته كانت جالسة والجارية حاضرة وهم يصلحون وجهها وقد زينت بالثياب الحسان والحلي وما جرى مجرى ذلك من الزينة فقالت: يا سيدي هذه الجارية التي التمست فسر بذلك سرورًا تامًا إذا كانت عنده رغبة في قضاء حاجة أبي حامد وإنجاز ما قصد له, فعاد إلى أبي حامد وقال له: خفت أن لا تكون الجارية في داري والآن فهي بحمد الله عندنا, والأمر للشيخ أعزه الله في بابها فأمر ابن أبي حامد بإخراج الجارية إلى الجماعة, فحين أخرجت تغير وجه الفتى تغيرًا شديدًا فعلم بذلك أن الأمر كما ذكره الفقيه من حبه لها وصبابته إليها فقال له ابن أبي حامد: هذه جاريتك؟ فقال: نعم هذه جاريتي, واضطرب كلامه من شدة ما نزل به عند رؤيتها, فقال له: خذها بارك الله لك فيها, فجزاه أبو حامد خيرًا وتشكر له وسأله قبض المال فإنه كان على حاله وقدره ثلاثة آلاف درهم فأبى أن يأخذه وطال الكلام في بابه, وقال له أبو حامد: إنما قصدنا نسأله الإقالة, ولم نقصد بأخذها على هذا الوجه, فقال له ابن أبي حامد: هذا رجل فقيه وقد باعها لأجل حاجته وقلة ذات يده, ومتى أخذ المال منه خيف عليه من أن يبيعها ثانية ممن لا يردها عليه, والمال يكون في ذمة فإذا جاءه نفقة من بلده جاز أن يرد ذلك فوهب المال له, وكان عليها من الحلي والثياب شيء له قدر كثير فقال له أبو حامد: إن رأى الشيخ أيده الله أن يتفضل وينفذ مع الجارية من يقبض هذا الثياب والحلي الذي عليها فما لهذا الفقيه أحد ينفذ به على يده, فقال له: يا سبحان الله هذا شيء أسعفناها به ووهبناه لها سواء كانت في ملكنا أو خرجت عن قبضتنا, ولسنا نرجع فيما وهبناها من ذلك, ولا يجوز. فعرف أبو حامد أن الوجه ما قاله فلم يلح عليه في ذلك بل حسن موقعه من قلبه وقلب صاحب الجارية حيث رجعت عليه بلا ثمن ومعها ما معها من الحلي والثياب, فلما أراد أن ينهض ويودعه. قال بن أبي حامد: أريد أسألها قبل انصرافها عن شيء, فقال لها: يا جارية أيما أحب إليك نحن أو مولاك هذا الذي باعك وأنت الآن له؟ فقالت: يا سيدي أما أنتم فأحسن الله عونكم, وفعل بكم, وفعل فقد أحسنتم إليَّ, وأعنتموني, وأما مولاي هذا فلو ملكت منه ما ملك مني لما بعته بالرغائب العظيمة, فاستحسن الجماعة منها ذلك, وما هي عليه من العقل مع الصبا, ثم انصرفوا وودعوه.

* عن أبي العتاهية قال: أحدثك قدمنا من الكوفة ثلاثة فتيان شبابًا أدباء, وليس لنا ببغداد من نقصده فنزلنا غرفة بالقرب من الجسر, فكنا نبكر فنجلس في المسجد الذي بباب الجسر في كل غداة, فمرت بنا يومًا امرأة راكبة معها خدم سودان فقلنا: من هذه؟ قالوا: خالصة. فقال أحدنا: قد عشقت خالصة, وعمل فيها شعرًا فأعناه عليه, ثم لم نلبث أن مرت أخرى راكبة معها خدم بيضان فقلنا: من هذه؟ فقالوا: عتبة. فقلت: قد عشقت عتبة فلم نزل كذلك في كل يوم إلى أن التأمت لنا أشعار كثير, فدفع صاحبي بشعره إلى خالصة, ودفعت أنا بشعري إلى عتبة, وألححنا إلحاحًا شديدًا فمرة تقبل أشعارنا, ومرة نطرد إلى أن أجدوا في طردنا, فجلست عتبة يومًا في أصحاب الجوهر ومضيت فلبست ثياب راهب, ودفعت ثيابي إلى إنسان كان معي, وسألت عن رجل كبير من أهل السوق, فدللت على شيخ صايغ فجئت إليه فقلت إني قد رغبت في الإسلام على يدي هذه المرأة, فقام معي وجمع جماعة من أهل السوق وجاءها فقال: إن الله قد ساق إليك أجرًا هذا راهب قد رغب في الإسلام على يديك فقالت: هاتوه فدنوت منها, فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله, وقطعت الزنار, ودنوت فقبلت يدها فلما فعلت ذلك رفعت البرنس فعرفتني, فقالت: نحوه, لعنه الله. فقالوا: لا تلعنيه فقد أسلم, فقالت: إنما فعلت ذلك لقذره فعرضوا عليَّ كسوة, فقلت: ليس لي حاجة إلى هذه, وإنما أردت أن أشرف بولائها, فالحمد لله الذي من عليَّ بحضوركم, وجلست فجعلوا يعلمونني الحمد, وصليت معهم العصر, وأنا في ذاك بين يديها أنظر إليها لا تقدر لي على حيلة, فلما انصرفت لقيت خالصة فشكت إليها, فقالت: ليس يخلو هذان من أن يكونا عاشقين أو مستأكلين, فصح عزمهما على امتحاننا بمال على أن ندع التعرض لهما, فإن قبلنا المال فنحن مستأكلان, وإن لم نقبله فنحن عاشقان, فلما كان الغد مرت خالصة فعرض لها صاحبها فقال له الخدم: اتبعنا فاتبعهم, ثم لم نلبث أن مرت عتبة, فقال لي الخدم: اتبعنا فاتبعتهم, فمضت بي إلى منزل خليط لها بزاز فلما جلست دعت بي فقالت لي: يا هذا إنك شاب, وأرى لك أدبًا, وأنا حرمة خليفة, وقد تأنيتك فإن أنت كففت, وإلا أنهيت ذلك إلى أمير المؤمنين, ثم لم آمن عليك. قلت: فافعلي بأبي أنت وأمي فإنك إن سفكت دمي أرحتني فأسألك بالله إلا فعلت ذلك إذ لم يكن لي فيك نصيب, فإما الحبس والحياة لا أراك فأنت في حرج من ذاك. فقالت: لا تفعل يا هذا, وابق على نفسك, وخذ هذه الخمس المائة الدينار, واخرج عن هذه البلد, فلما سمعت ذكر المال وليت هاربًا, فقالت: ردوه, فلم تزل تردني, فقلت: جعلت فداك ما أصنع بعرض من الدنيا, وأنا لا أراك وإنك لتبطئين يومًا واحدًا عن الركوب, فتضيق بي الأرض بما رحبت, وهي تأبى إلا ذكر المال حتى جعلت لي ألف دينار فأبيت وجاذبتها مجاذبة شديدة, وقلت: لو أعطيتينى جميع ما يحويه الخليفة ما كانت لي فيه حاجة, وأنا لا أراك بعد أن أجد السبيل إلى رؤيتك وخرجت فجئت الغرفة التي كنا ننزلها فإذا صاحبي مورم الأذنين, وقد امتحن بمثل محنتي, فلما مد يده إلى المال صفعوه وحلفت خالصة لئن رأته بعد ذلك لتودعنه الحبس, فاستشارني في المقام, فقلت: أخرج وإياك أن تقدر عليك, ثم التقتا فأخبرت كل واحدة صاحبتها الخبر, وأحمدتني وصح عندها أني محب محق فلما كان بعد أيام دعتني عتبة, فقالت: بحياتى عليك إن كنت تعزها إلا أخذت ما يعطيك الخادم فأصلحت به من شأنك فقد غمني سوء حالك, فامتنعت فقالت: ليس هذا مما تظن ولكني لا أحب أن أراك في هذا الزي, فقلت: لو أمكنني أن تريني في زي المهدي لفعلت ذلك, فأقسمت عليَّ فأخذت الصرة, فإذا فيها ثلاثمائة دينار, فاكتسيت كسوة حسنة, واشتريت حمارًا.

* عن الأصمعي قال: قلت لأعرابي حدثني عن ليلتك مع فلانة. قال: نعم, خلوت بها والقمر يرينيها, فلما غاب أرتنيه. قلت: فما كان بينكما؟ قال: أقرب ما أحل الله مما حرم الإشارة لغير ما باس, والدنو لغير إمساس, ولعمري لئن كانت الأيام طالت بعدها لقد كانت قصيرة معها, وحسبك بالحب.

* عن محمد ابن موسى الأنصاري قال: كان إسحاق بن غرير معجبًا بعبادة جارية المهلبية, وكانت المهلبية منقطعة إلى الخيرزان أم أمير المؤمنين ذات منزلة منها. قال: فركب يومًا عبد الله بن مصعب بن الزبير, وإسحاق بن غرير إلى أمير المؤمنين المهدي, وكانا يأتيانه في كل عشية إذا صلى الناس العصر, فيقيمان معه إلى أن ينقضي سهره, فلقيا في طريقهما عبادة جارية المهلبية, فقال إسحاق بن غرير لعبد الله بن مصعب: يا أبا بكر هذه عبادة التي كنت تسمعني أذكرها, وركض دابته حتى استقبلها, فنظر إليها, ثم رجع فضحك عبد الله بن مصعب مما صنع, ثم مضيا, فدخلا على أمير المؤمنين المهدي, فحدثه عبد الله بن مصعب حديث إسحاق بن غرير وعبادة, وما كان منه في أمرها تلك العشية, فقال لإسحاق: أنا اشتريها لك, وقام فدخل على الخيزران, فقال: أين المهلبية؟ فأمرت بها فدعيت له, فقال لها: تبيعينى عبادة بخمسين ألف درهم, فقالت له: يا سيدي إن كنت تريدها لنفسك فبها فداك الله. قال: إنما أريدها لإسحاق بن غرير, فبكت وقالت: يدي ورجلي ولساني في حوائجي تنزعها مني لإسحاق بن غرير. قال: فقالت الخيزران: ما يبكيك لا يقدر والله إسحاق عليها, وقالت لأمير المؤمنين المهدي: صار ابن غرير يتعشق جواري الناس, فخرج أمير المؤمنين المهدي, فأخبر إسحاق الخبر وأمر له بالخمسين الألف الدرهم, فأخذها فقال في ذلك أبو العتاهية:

من صدق الحب لأحبابه ... فإن حب ابن غرير غرور

أنساه عبادة ذات الهوى ... وأذهل الحب لديه الضمير

خمسون ألفا كلها وازن ... خشن لها في كل كيس صرير

قال: وقال في ذلك أيضًا أبو العتاهية:

حبك المال لا كحبك عبا ... دة يا فاضح المحبينا

لو كنت أخلصتها الوفاء كما ... قلت لما بعتها بخمسينا

* عن الفضل بن يعقوب قال: لما اجتمع ثمامة بن أشرس ويحيى بن أكثم عند المأمون قال ليحيى: أخبرني عن العشق ما هو؟ قال: يا أمير المؤمنين سوانح تسنح للعاشق يؤثرها, ويهتم بها تسمى عشقًا. فقال له ثمامة: يا يحيى أنا بمسائل الفقه أبصر منك بهذا الباب ونحن بهذا أحذق منك. قال المأمون: فهات ما عندك فقال يا أمير المؤمنين إذا امتزجت جواهر النفوس بوصل المشاكلة نتجت لمح نور ساطع يستضيء به بواصر العقل, وتهتز لإشراقه طبائع الحياة, ويتصور من ذلك اللمح نور خاص بالنفس متصل بجوهرها يسمى عشقًا, فقال المأمون: هذا وأبيك الجواب.

* عن أبي العباس الأسدي قال: لقيت جعيفران فقلت له تجيز لي بيت الشعر. قال: نعم بدرهم صحيح. قلت له: نعم. قال: هات فأعطيته الدرهم وأنشدته:

وما الحب إلا لوعة قذفت بها…عيون المهى باللحظ بين الجوانح

ففكر ساعة ثم قال:

ونار الهوى تطفي عن القلب فعلها…كفعل الذي جادت به كف قادح

وأنشدنا إسماعيل الحيري قال: أنشدنا الحسن بن محمد بن حبيب لجعيفران:

بين السماح وعون ... فرق كبير وبون

للجود حاتم طي ... وحاتم البخل عون

له مطابخ بيض ... والعرض أسود جون

* عن الخلدي قال: البيتان للحسين بن منصور وهما:

أريدك لا أريدك للثواب ... ولكني أريدك للعقاب

وكل مآربي قد نلت منها ... سوى ملذوذ وجدي بالعذاب

فلما سمع بذلك ابن عطاء قال: هذا مما يتزايد به عذاب الشغف, وهيام الكلف, واحتراق الأسف, وشغف الحب, فإذا صفا ووفا علا إلى مشرب عذب, وهطل من الحق دائم سكب.

* سئل رويم عن المحبة فقال: الموافقة في جميع الأحوال وأنشد:

ولو قلت لي مت مت سمعا وطاعة…وقلت لداعي الموت أهلًا ومرحبا

وقال: الأنس أن تستوحش مما سوى محبوبك.

* عن الجرمي قال: دخلت حمامًا في درب الثلج فإذا فيه سوار بن عبد الله القاضي في البيت الداخل قد استلقى وعليه المئزر فجلست بقربه, فساكتني ساعة, ثم قال: قد احشمتني يا رجل فإما أن تخرج أو أخرج فقلت: جئت أسألك عن مسألة. قال: ليس هذا موضع المسائل, فقلت: إنها من مسائل الحمام فضحك وقال: هاتها, فقلت من الذي يقول:

سلبت عظامي لحمها فتركتها ... عواري في أجلادها تتكسر

وأخليت منها مخها فكأنها ... قوارير في أجوافها الريح تصفر

خذي بيدي ثم ارفعي الثوب فانظري ... بلى جسدي لكنني أتستر

فقال سوار: أنا والله قلتها. قلت: فإنه يغني بها ويجود. فقال: لو شهد عندي الذي يغنى بها لأجزت شهادته.

* عن عبد الله بن القاسم قال: عشق التيمي جارية عند بعض النخاسين, فشكا وجده بها إلى أبي عيسى بن الرشيد, فقال أبو عيسى للمأمون: يا أمير المؤمنين إن التيمي يجد بجارية لبعض النخاسين, وقد كتب إليَّ بيتين يسألني فيهما. فقال: وما كتب به إليك؟ فأنشده:

يا أبا عيسى إليك المشتكى ... وأخو الصبر إذا عيل اشتكى

ليس لي صبر على هجرانها ... وأعاف المشرب المشتركا

فأمر له بثلاثين ألف درهم فاشتراها.

* عن منصور البرمكي قال: كانت لهارون الرشيد جارية غلامية تصب على يده وتقف رأسه, وكان المأمون يعجب بها وهو أمرد فبينا هي تصب على هارون من أبريق معها والمأمون مع هارون قد قابل بوجهه وجه الجارية إذ أشار إليها بقبلة فزبرته بحاجبها, وأبطأت عن الصب في مهلة ما بين ذلك, فنظر إليها هارون فقال: ما هذا؟ فتلكأت عليه فقال: ضعي ما معك على كذا إن لم تخبريني لأقتلنك, فقالت أشار إلي عبد الله بقبلة, فالتفت إليه, وإذا هو قد نزل به من الحياء والرعب ما رحمه منه فاعتنقه, وقال: أتحبها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين, فقال: قم فادخل بها في تلك القبلة, فقام ففعل, فقال له هارون: قل في هذا شعرًا فانشأ يقول:

ظبي كنيت بطرفي ... عن الضمير إليه

قبلته من بعيد ... فاعتل من شفتيه

ورد أخبث رد ... بالكسر من حاجبيه

فما برحت مكاني ... حتى قدرت عليه

* عن أبي عبد الله الحسن بن علي بن سلمة قال: أنشدت أبا الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي ما إن ذكرتك في قوم أحدثهم إلا وجدت فتورًا بين أحشائي, فأنشدني لنفسه يريد تضمين هذا البيت:

كم لوعة في الحشا أبقت به سقما ... خوفا لهجرك أو خوفا من النائي

لا تهجرني فإني لست ذا جلد ... ولا اصطبار على هجر الأخلاء

الله يعلم ما حملت من سقم ... وما تضمنته من شدة الداء

لو أن أعضاء صب خاطبت بشرا ... لخاطبتك بوجدي كل أعضائي

فأرعى حقوق فتى لا يبتغي شططا ... إلا السلام بإيحاء وإيماء

هذا على وزن بيت كنت منشده ... عار إذا كان من لحن وإقواء

ما إن ذكرتك في قوم أحدثهم ... إلا وجدت فتورا بين أحشائي

ولا هممت بشرب الماء من عطش ... إلا رأيت خيالا منك في الماء

* عن الأصمعي قال: بعث إلى محمد الأمين وهو ولي عهد فصرت إليه فقال إن الفضل بن الربيع كتب عن أمير المؤمنين يأمر بحملك إليه على ثلاث دواب من دواب البريد, وبين يدي محمد السندي بن شاهك فقال له: خذه فاحمله وجهزه إلى أمير المؤمنين, فوكل به السندي خليفته عبد الجبار فجهزني وحملني فلما دخلت الرقة أوصلت إلى الفضل بن الربيع فقال لي: لا تلقين أحدًا ولا تكلمه حتى أوصلك إلى أمير المؤمنين وأنزلني منزلًا أقمت فيه يومين أو ثلاثة, ثم استحضرني فقال: جئني وقت المغرب حتى أدخلك على أمير المؤمنين, فجئته فأدلني على الرشيد, وهو جالس منفرد فسلمت فاستدناني, وأمرني بالجلوس, فجلست وقال لي: يا عبد الملك وجهت إليك بسبب جاريتين أهديتا إليَّ وقد أخذتا طرفًا من الأدب أحببت أن تبور ما عندهما وتشير عليَّ فيهما بما هو الصواب عندك, ثم قال: ليمض إلى عاتكة فيقال لها احضري الجاريتين فحضرت جاريتان ما رأيت مثلهما قط, فقلت لأجلهما: ما اسمك؟ قالت: فلانة. قلت: ما عندك من العلم؟ قالت: ما أمر الله به في كتابه, ثم ما ينظر الناس فيه من الأشعار والآداب والأخبار, فسألتها عن حروف من القرآن, فأجابتني كأنها تقرأ الجواب من كتاب, وسألتها عن النحو والعروض والأخبار, فما قصرت, فقلت: بارك الله فيك فما قصرت في جوابي في كل فن أخذت فيه فإن كنت تقرضين الشعر فأنشدينا شيئًا فاندفعت في هذا الشعر:

يا غياث البلاد في كل محل…ما يريد العباد إلا رضاك

لا ومن شرف الإمام وأعلى…ما أطاع الإله عبد عصاك

ومرت في الشعر إلى آخره, فقلت: يا أمير المؤمنين ما رأيت امرأة في مسك رجل مثلها, وقالت الأخرى, فوجدتها دونها, فقلت: ما تبلغ هذه من منزلتها إلا أنها إن واظب عليها لحقت. فقال: يا عباسي. فقال الفضل: لبيك يا أمير المؤمنين, فقال ليردا إلى عاتكة, ويقال لها تصنع هذه التي وصفتها بالكمال لتحمل إليَّ الليلة, ثم قال لي: يا عبد الملك أنا ضجر, وقد جلست أحب أن أسمع حديثا أتفرج به فحدثني بشيء, فقلت: لأي الحديث يقصد أمير المؤمنين؟ قال: لما شاهدت وسمعت من أعاجيب الناس وطرائف أخبارهم, فقلت: يا أمير المؤمنين, صاحب لنا في بدو بني فلان كنت أغشاه, وأتحدث إليه, وقد أتت عليه ست وتسعون سنة أصح الناس ذهنًا, وأجودهم أكلًا, وأقواهم بدنًا, فغبرت عنه زمانًا, ثم قصدته فوجدته ناحل البدن, كاسف البال متغير الحال, فقلت له: ما شانك أأصابتك مصيبة؟ قال: لا. قلت: أفمرض عراك؟ قال: لا. قلت: فما سبب هذا التغيير الذي أراه بك؟ فقال: قصدت بعض القرابة في حي بني فلان, فألفيت عندهم جارية قد لاثت رأسها وطلت بالورس ما بين قرنها إلى قدمها, وعليها قميص وقناع مصبوغان, وفي عنقها طبل توقع عليه, وتنشد هذا الشعر:

محاسنها سهام للمنايا ... مريشة بأنواع الخطوب

برى ريب المنون لهن سهما ... تصيب بنصله مهج القلوب

فأجبتها:

قفي شفتي في موضع الطبل ترتقي ... كما قد أبحت الطبل في جيدك الحسن

هبينى عودا أجوفا تحت شنة ... تمتع فيها بين نحرك والذقن

فلما سمعت الشعر مني نزعت الطبل, فرمت به في وجهي, وبادرت إلى الخباء, فدخلت فلم أزل واقفًا إلى أن حميت الشمس على مفرق رأسي لا تخرج إليَّ ولا ترجع إليَّ جوابًا, فقلت: أنا معها والله كما قال الشاعر:

فوالله يا سلمى لطال إقامتي…على غير شيء يا سليمى أراقبه

ثم انصرفت سخين العين قريح القلب, فهذا الذي ترى بي من التغير من عشقي لها, فضحك الرشيد حتى استلقى, وقال: ويحك يا عبد الملك ابن ست وتسعين سنة يعشق. قلت: قد كان هذا يا أمير المؤمنين, فقال: يا عباسي. فقال الفضل بن الربيع: لبيك يا أمير المؤمنين, فقال أعط عبد الملك مائة ألف درهم, ورده إلى مدينة السلام فانصرفت فإذا خادم يحمل شيئًا, ومعه جارية تحمل شيئًا فقال: أنا رسول بنتك يعني الجارية التي وصفتها وهذه جاريتها, وهي تقرأ عليك السلام وتقول: إن أمير المؤمنين أمر لي بمال وثياب هذا نصيبك منها, فإذا المال ألف دينار, وهي تقول: لن نخليك من المواصلة بالبر, فلم تزل تتعهدني بالبر الواسع الكثير حتى كانت فتنة محمد, فانقطعت أخبارها عني.

* عن أبي الهفان قال: كان لأبي دلف العجلي جارية تسمى جنان, وكان يتعشقها, وكان لفرط فتوته وظرفه يسميها صديقتي فمن قوله فيها:

أحبك يا جنان وأنت مني ... مكان الروح من جسد الجبان

ولو أني أقول مكان روحي ... خشيت عليك بادرة الزمان

لإقدامي إذا ما الخيل كرت ... وهاب كماتها حر الطعان

قال أبو هفان: ثم ماتت فرثاها بمراث حسان.

* عن صالح بن سليمان العبدي قال: كان محمد بن عبد الملك الزيات يعشق جارية من جوارى القيان، فبيعت من رجل من أهل خراسان، فأخرجها. قال: فذهل محمد بن عبد الملك الزيات حتى غشى عليه, ثم أنشأ يقول:

يا طول ساعات ليل العاشق الدنف ... وطول رعيته للنجم في السدف

ماذا تواري ثيابي من أخي حرق ... كأنما الجسم منه دقة الألف

ما قال يا أسفي يعقوب من كمد ... إلا لطول الذي لاقى من الأسف

من سره أن يرى ميت الهوى دنفا ... فليستدل على الزيات وليقف

* عن أبي الحسين بن النحوي قال: سألت أحمد بن يحي عن حديث أبى الدرداء عن النبى - صلى الله عليه وسلم: «حبك الشيء يعمى ويصم» فقال: يعمي العين عن النظر إلى مساويه، ويصم الآذان عن استماع العذل فيه، وأنشأ يقول:

وكذلك طرفي فيك والطرف صادق…وأسمعت أذني منك ما ليس تسمع

* عن محمد بن أبي محمد قال:

الهوى أمر عجيب شأنه ... تارة يأس، وأحيانا رجا

ليس فيمن مات منه عجب ... إنما يعجب ممن قد نجا

وقال أيضا:

كيف يطيق الناس وصف الهوى ... وهو جليل ماله قدر؟

بل كيف يصفو لحليف الهوى ... عيش وفيه البين والهجر

* عن أبي بكر الصولي قال:

أحببت من أجله من كان يشبهه ... وكل شيء من المعشوق معشوق

حتى حكيت بجسمي ما بمقلته ... كأن سقمي من جفنيه مسروق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت