فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 593

* قال المأمون لمحمد بن عباد: أردت أن أوليك فمنعني إسرافك في المال, فقال محمد: منع الموجود سوء ظن بالمعبود، فقال له المأمون: لو شئت أبقيت على نفسك، فإن هذا المال الذي تنفقه ما أبعد رجوعه إليك، قال: يا أمير المؤمنين موّله مولى غني لا يفتقر، قال: فاستحسن المأمون ذلك منه وقال للناس: من أراد أن يكرمني فليكرم ضيفي محمد بن عباد، فجاءت الأموال إليه من كل ناحية، فما برح وعنده منها درهم واحد، وقال: إن الكريم لا تحنكه التجارب.

* عن أبي يوسف القاضي قال: كان عندي أسود بن سالم وقد كان يستعمل من الماء شيئًا كثيرًا قال: فجاء رجل فسأله عن ذلك، فقال: هيهات ذهب ذاك, أو مضى ذاك, كنت ليلة باردة قد قمت في السحر فإني مستعمل ما كنت أستعمله، فإذا هاتف يهتف بي يقول: يا أسود ما هذا.

* عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال: إذا جاوز الوضوء ثلاثًا لم يرتفع إلى السماء، قال قلت لأختي: ويحك من يك؟ قالت: ما هو إلا ما تسمع، قال قلت: من أنت عافاك الله؟ قال يحيى بن سعيد الأنصارى حدثنا عن سعيد بن المسيب: إذا جاوز الوضوء ثلاثًا لم ترتفع إلى السماء، قال قلت: لا أعود لا أعود, فإنا اليوم تكفيني كف من ماء.

* عن صافي قال: كنت يومًا واقفًا على رأس المعتضد فقال: هاتوا فلانًا الطيبي خادم يلي خزانة الطيب فأحضر، فقال له: كم عندك من الغالية؟ فقال: نيف وثلاثون حبًا صينيًا مما عمله عدة من الخلفاء، قال: فأيها أطيب؟ قال: ما عمله الواثق، قال: أحضرنيه فأحضره حبًا عظيمًا يحمله خدم عدة بدهق ومثقلة، ففتح فإذا بغالية قد ابيضت من التعشيب وجمدت من العتق في نهاية الذكاء فأعجبت المعتضد, وأهوى بيده إلى حوالي عنق الحب فأخذ من لطاخته شيئًا يسيرًا من غير أن يشعث رأس الحب وجعله في لحيته, وقال: ما تسمح نفسي بتطريق التشعيب على هذا شيلوه, فرفع ومضت الأيام فجلس المكتفي للشرب يومًا, وهو خليفة وأنا قائم على رأسه فطلب غالية, فاستدعى الخادم وسأله عن الفوالي فأخبره بمثل ما كان أخبر به أباه, فاستدعى غالية الواثق فجاءه بالحب بعينه ففتح فاستطابه وقال: أخرجوا منه قليلًا فأخرج منه مقدار ثلاثين أو أربعين مثقالًا فاستعمل منه في الحال ما أراده ودعا بعتيدة له, فجعل الباقي فيها ليستعمله على الأيام وأمر بالحب فختم بحضرته ورفع, ومضت الأيام وولى المقتدر الخلافة وجلس مع الجواري يشرب يومًا, وكنت على رأسه فأراد أن يتطيب فاستدعى الخادم وسأله فأخبره بمثل ما أخبر به أباه وأخاه, فقال: هات الغوالي كلها فأحضرت الحباب كلها, فجعل يخرج من كل حب مائة مثقال وخمسين وأقل وأكثر فيشمه, ويفرقه على من بحضرته حتى انتهى إلى حب الواثق واستطابه, فقال: هاتم عتيدة حتى يخرج إليها من هذا ما يستعمل فجاءوه بعتيدة, وكانت عتيدة المكتفي بعينها ورأى الحب ناقصًا والعتيدة فيها قدح الغالية ما استعمل منه كبير شيء, فقال: ما السبب في هذا؟ فأخبرته بالخبر على شرحه، فأخذ يعجب من بخل الرجلين ويضع منهما بذلك، ثم قال: فرقوا الحب بأسره على الجواري، فما زال يخرج منه أرطالًا أرطالًا، وأنا أتمزق غيظًا وأذكر حديث العنب وكلام مولاي المعتضد إلى أن مضى قريب من نصف الحب فقلت له: يا مولاي إن هذه الغالية أطيب الغوالي وأعتقها, وما لا يعتاض منه فلو تركت ما بقي فيها لنفسك وفرقت من غيرها كان أولى، قال: وجرت دموعي لما ذكرته من كلام المعتضد فاستحي مني, ورفع الحب فما مضت إلا سنين من خلافته حتى فنيت تلك الغوالي واحتاج إلى عجن غالية بمال عظيم.

*عن أبي العيناء قال: دخل المنصور من باب الذهب، فإذا بثلاثة قناديل مصطفة، فقال: ما هذا؟! أما واحد من هذا كان كافيًا؟ يقتصر من هذا على واحد، قال: فلما أصبح أشرف على الناس وهم يتغدون فرأى الطعام قد خف من بين أيديهم قبل أن يشبعوا، فقال: يا غلام علىَّ بالقهرمان، قال: ما لي رأيت الطعام قد خف من بين أيدي الناس قبل أن يشبعوا؟ قال: يا أمير المؤمنين رأيتك قد قدرت الزيت فقدرت الطعام، قال فقال: وأنت لا تفرق بين زيت يحترق في غير ذات الله, وهذا إذا فضل وجدت له آكلا ابطحوه، قال: فبطحوه فضربه سبع درر.

· عن أحمد بن يزيد بن أسيد السلمي قال: كنت مع طاهر بن الحسين بالرقة، وأنا أحد قواده وكانت لي به خاصية أجلس عن يمينه، فخرج علينا يومًا راكبًا ومشينًا بين يديه وهو يتمثل:

عليكم بداري فاهدموها ... فإنها تراث كريم لا يخاف العواقبا

إذا هم ألقى بين عينيه عزمه…وأعرض عن ذكر العواقب جانبا

سأدحض عنى العار بالسيف جالبا…على قضاء الله ما كان جالبا

فدار حول الرفقة ثم رجع فجلس مجلسه, فنظر في قصص و رقاع فوقع فيها صلات أحصيت ألف ألف وسبعمائة ألف. فلما فرغ نظر إلى مستطعما للكلام، فقلت: أصلح الله الأمير ما رأيت أنبل من هذا المجلس ولا أحسن ودعوت له، ثم قلت: لكنه سرف، فقال: السرف من الشرف, فأردت الآية التي فيها) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ( [الفرقان: 67] فجئت بالأخرى التي فيها:) إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ( [الأنعام: 141] ، فقال: صدق الله وما قلنا كما قلنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت