* عن أبي بكر محمد بن داود الأصبهاني قال:
العذر يلحقه التحريف والكذب وليس في غير ما يرضيك لي أرب
وقد أسأت فبالنعمى التي سلفت إلا مننت بعفو ماله سبب
· جرى بين إبراهيم السري الزجاج النحوي وبين المعروف بمسينة - وكان من أهل العلم - شر, فاتصل ونسجه إبليس وأحكمه حتى خرج إبراهيم بن السري الزجاج إلى حد الشتم فكتب إليه مسينة:
أبى الزجاج إلا شتم عرضي لينفعه فآثمه وضره
وأقسم صادقًا ما كان حر ليطلق لفظه في شتم حره
ولو أني كررت لفر مني ولكن للمنون علي كره
فأصبح قد وقاه الله شري ليوم لا وقاه الله شره
فلما اتصل هذا بالزجاج قصده راجلًا حتى اعتذر إليه وسأله الصفح.
* تحول المنصور إلى مدينة السلام, واستتم بناءها سنة ست وأربعين ثم كتب إلى أهل المدينة: أن يوفدوا عليه خطباءهم وشعرائهم فكان فيمن وفد عليه إبراهيم بن هرمة, قال: فلم تكن في الدنيا خطبة أبغض إليَّ من خطبة تقربني منه, واجتمع الخطباء والشعراء من كل مدينة وعلى المنصور ستر يرى الناس من ورائه, ولا يرونه وأبو الخصيب حاجبه قائم يقول: يا أمير المؤمنين هذا فلان الخطيب, فيقول: اخطب ويقول: هذا فلان الشاعر, فيقول: أنشد حتى كنت آخر من بقي, فقال: يا أمير المؤمنين: هذا ابن هرمة, فسمعته يقول: لا مرحبًا ولا أهلًا ولا أنعم الله به عينا, فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون ذهبت والله نفسي, ثم رجعت إلى نفسي, فقلت: يا نفس هذا موقف, إن لم تشتدي فيه هلكت, فقال أبو الخصيب أنشد: فأنشدته:
سرى ثوبه عنك الصبي المتخايل ... وقرب للبين الخليط المزايل
حتى انتهيت إلى قولي:
له لحظات في خفاء سريرة ... إذا كرها فيها عقاب ونائل
فأما الذي أمنته يأمن الردى ... وأما الذي حاولت بالثكل ثاكل
فقال: يا غلام ارفع عني الستر, فرفع فإذا وجهه كأنه فلقة قمر, ثم قال: تمم القصيدة فلما فرغت, قال: أدن فدنوت, ثم قال: اجلس, فجلست وبين يديه مخصرة, فقال: يا إبراهيم قد بلغتني عنك أشياء لولا ذلك لفضلتك على نظرائك, فأقر لي بذنوبك اعفها عنك, فقلت: هذا رجل فقيه عالم وإنما يريد أن يقتلني بحجة تجب عليَّ, فقلت: يا أمير المؤمنين كل ذنب بلغك مما عفوته عني فأنا مقر به, فتناول المخصرة فضربني بها فقلت:
أصبر من ذي ضاغط عركرك ... ألقى بواني زوره للمبرك
ثم ثني فضربني فقلت:
أصبر من عود بجنبيه جلب ... قد أثر البطان فيه والحقب
فقال: قد أمرت لك بعشرة آلاف درهم وخلعة وألحقتك بنظرائك من طريح بن إسماعيل ورؤبة بن العجاج, ولئن بلغني عنك أمر أكرهه لأقتلنك, قلت: نعم أنت في حل وفي سعة من دمي إن بلغك أمر تكرهه.
قال بن هرمة: فأتيت المدينة فأتاني رجل من الطالبيين, فسلم عليّ فقلت: تنح عني لا تشيط بدمي.
(6/ 128 ـ 129)
* تكلم عبد الله بن عياش المنتوف بكلام أراد به مساءة عمر بن ذر فقام عمر, فدخل منزله - وكان ابن عمه - فندم ابن عياش فأتى عمر, فقال: أتدخل الظالم؟ فقال: نعم مغفورًا له, والله ما كافأت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه.
* دخل أبو دلامة الشاعر على أبي جعفر فحدثه وأنشده فأجازه وكساه, وكان فيما كساه ساج ثم خرج من عنده إلى بني داود بن علي فشرب عندهم حتى اشتد سكره, فبلغ ذلك أبا جعفر فأرسل إليه فأتي به وجاذب أبو دلامة الرسول حتى تخرق ساجه, ثم أمر به إلى السجن وأمر السجان أن يسجنه في بيت مع دجاج لتصغر إليه نفسه ففعل ذلك به السجان, فانتبه في جوف الليل فنادى جاريته فأجابه صاحب السجن طعنة في كبدك, فقال له أبو دلامة: ويلك من أنت وأين أنا؟ قال: سل نفسك وأين كنت عشي أمس؟ فاستحلفه أبو دلامة من أنت؟ قال: أنا السجان أنا فلان صاحب السجن قال: ومن أدخلني عليك؟ قال: بعث بك أمير المؤمنين وأنت سكران, وأمرني أن أحبسك مع الدجاج, فقال له أبو دلامة: أحب أن تسرج لي وتأتيني بدواة وقرطاس, ولك عندي صلة ففعل السجان فقال أبو دلامة:
أمن صهباء صافية المزاج ... كأن شعاعها لهب السراج
تهش لها القلوب وَتشتهيها ... إذا برزت ترقرق فِي الزجاج
أمير المؤمنين فدتك نفسي ... ففيم حبستني وَخرقت ساجي
أقاد إلى السجون بغير ذنب ... كأني بعض عمال الخراج
فلو معهم حبست لكان ذاكم ... وَلكني حبست مَعَ الدجاج
دجاجات يطيف بهن ديك ... ينادي بالصياح إذا يناجي
وَقد كانت تحَدَّثَنِي ذنوبي ... بأني من عذابك غير ناجي
على أني وَإن لاقيت شرا ... لخيرك بعد ذاك الشر راجي
فلما أصبح أحضره أمير المؤمنين فأنشده هذه الأبيات فضحك منه وخلى سبيله.
(8/ 490 ـ 491)
* لما طال على إبراهيم بن شكلة الاختفاء وضجر كتب إلى المأمون: ولى الثأر محكم في القصاص, والعفو أقرب للتقوى, ومن تناوله الاغترار بما مد له من أسباب الرجاء أمن غادية الدهر على نفسه, وقد جعل الله أمير المؤمنين فوق كل ذي عفو كما جعل كل ذي ذنب دونه, فإن عفا فبفضله وإن عاقب فبحقه, فوقع المأمون في قصته أمانه, وقال فيها: القدرة تذهب الحفيظة, وكفي بالندم إنابة, وعفو الله أوسع من كل شيء, ولما دخل إبراهيم على المأمون قال:
إن أكن مذنبا فحظّي أخطأ ... ت فدع عنك كثرة التأنيب
قل كما قال يوسف لبني يع ... قوب لما أتوه لا تثريب
فقال: لا تثريب.
* عن إبراهيم بن مهدي أنه قال لأمير المؤمنين: ذنبي أعظم من أن يحيط به عذر, وعفوك أعظم من أن يتعاظمه ذنب, فقال المأمون: حسبك فإنا إن قتلناك فلله, وإن عفونا عنك فلله عز وجل.
* عن إبراهيم بن أبي محمد قال: كنت يومًا عند المأمون وليس معنا إلا المعتصم, فأخذت الكأس من المعتصم, فعربد عليَّ فلم احتمل ذلك وأجبته, فأخفي ذلك المأمون ولم يظهر ذلك الإظهار, فلما صرت من الغد إلى المأمون كما كنت أصير, قال لي الحاجب: أمرت أن لا آذن لك فدعوت بدواة وقرطاس وكتبت:
أنا المذنب الخطّاءُ والعفو واسعٌ ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو
سكرت فأبدت مني الكأس بعض ما كرهت وما أن يستوي السكر والصحو
ولا سيما إذا كنت عند خليفة ولولا وفي مجلس ما أن يليق به اللغو
حميا الكأس كان احتمال ما بدهت به لا شك فيه هو السرو
تنصلت من ذنبي تنصل ضارع إلى من إليه يغفر العمد والسهو
فإن يعف عين أُلف خطوى واسعًا وإلا يكن عفو فقد قصر الخطو
قال: فأدخلها الحاجب, ثم خرج إليَّ, فأدخلني فمد المأمون باعيه فأكببت على يديه فقبلتهما فضمني إليه وأجلسني.
· عن إسحاق الموصلي قال: كان في قلب محمد بن زبيدة علي شيء فأهديت إليه جارية, ومعها هدية فردها فكتبت إليه:
هتكت الضمير برد اللطف وكشفت أمرك لي فانكشف
فإن كنت تحقد شيئًا مضى فهب للخلافة ما قد سلف
وجد لي بالعفو عن زلتي فبالفضل يأخذ أهل الشرف
فلم يفعل فكتبت إليه:
أتيت ذنبًا عظيمًا وأنت أعلم منه
فخذ بحقك أو لا فاصفح بفضلك عنه
فعاد إلى الجميل.
*كتب بشر المريسي إلى رجل يستقرض منه شيئًا, فكتب إليه الرجل: الدخل يسير, والدين ثقيل, والمال مكذوب عليه, فكتب إليه بشر: إن كنت كاذبًا فجعلك الله صادقًا, وإن كنت معتذرًا بباطل, فجعلك الله معتذرًا بحق.
* عن بكر بن شاذان وأبي الفضل التميمي أنه جرى بينهما كلام, فبدرت من أبي الفضل كلمة ثقلت على بكر وانصرف, ثم ندم التميمي فقصد أبا بكر بن يوسف وقال له: قد كلمت بكرًا بشيء جفا عليه وندمت على ذلك, وأريد أن تجمع بيني وبينه, فقال له ابن يوسف: سوف نخرج لصلاة العصر فخرج بكر وجاء إلى ابن يوسف والتميمي عنده فقال له: التميمي أسألك بالله أن تجعلني في حل, فقال بكر: سبحان الله والله ما فارقتك حتى أحللتك, وانصرف فقال التميمي: قال لي والدي: يا عبد الواحد احذر من أن تخاصم من إذا نمت كان منتبهًا.
*اعتذر رجل إلى جعفر بن يحيى البرمكي فقال له جعفر: قد أغناك الله بالعذر منا عن الإعتذار إلينا, وأغنانا بالمودة لك عن سوء الظن بك.
* عن رويم بن أحمد قال: الفتوة أن تعذر إخوانك في زللهم, ولا تعاملهم بما يحوجك إلى الإعتذار إليهم.
*عن بشار أنه غضب على سلم الخاسر, وكان من تلامذته ورواته فاستشفع عليه بجماعة من إخوانه, فأتوه فقالوا: جئناك في حاجة, فقال: يعني كل حاجة لكم مقضية إلا سلمًا قالوا: ما جئناك إلا في سلم, ولا بد من أن ترضى عنه, قال فأين هو؟ قالوا: ها هو ذا؟ فقام سلم يقبل رأسه ويديه وقال: يا أبا معاذ خريجك وأديبك, فقال بشار: فمن الذي يقول:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته وفاز بالطيبات الفاتك اللهج
قال: أنت يا أبا معاذ جعلني الله فداك, قال: فمن الذي يقول:
من راقب الناس مات هما وفاز باللذة الجسور
قال: خريجك يقول ذلك, قال: فتأخذ معاني التي قد عنيت بها وتعبت فيها وفي استنباطها فتكسوها ألفاظًا أخف من ألفاظي حتى يروى ما تقول, ويذهب شعري, لا أرضى عنك أبدًا, فما زال يتضرع إليه ويشفع له القوم حتى رضى عنه.
* خرج دعبل بن علي إلى خراسان فنادم عبد الله بن طاهر فأعجب به, فكان في كل يوم ينادمه فيه يأمر له بعشرة آلاف درهم, وكان ينادمه في الشهر خمسة عشر يومًا, وكان ابن طاهر يصله في كل شهر بمائة وخمسين ألف درهم فلما كثرت صلاته له, توارى عنه دعبل يوم منادمته في بعض الخانات فطلبه فلم يقدر عليه, فشق ذلك عليه فلما كان من الغد كتب:
هجرتك؛ لم أهجرك من كفر نعمة وهل يُرتجي نيل الزيادة بالكفرِ
ولكننى لما أتيتك زائرا فأفرطت في بري عجزت عن الشكرِ
فمِلاَّن لا آتيك إلا معذرا أزورك في الشهرين يومًا وفي الشهرِ
فإن زدت في بري تزيدتُ جفوة ولم تلقني حتى القيامة والحشرِ
*من ألطف رقعة كتبت في الاعتذار رقعة كتبها أمير المؤمنين الراضي إلى أخيه أبى إسحاق المتقي, وقد كان جرى بينهما كلام بحضرة المؤدب، وكان الأخ قد تعدى على الراضي فكتب إليه الراضي: بسم الله الرحمن الرحيم، أنا معترف لك بالعبودية فرضًا، وأنت معترف لي بالأخوة فضلًا، والعبد يذنب، والمولى يعفو، وقد قال الشاعر:
يا ذا الذي يغضب من غير شي أعتب فعتباك حبيب إليَّ
أنت على أنك لي ظالم أعز خلق الله كل عليَّ
قال: فجاءه أبو إسحاق فأنكب عليه، فقام إليه الراضي وكان الأكبر فتعانقا وتصالحا.
* قال أبو نعيم: حدثنا أبو طاهر محمد بن على البيِّع قال: أنبأنا أحمد بن محمد بن موسى القرشي قال: قرئ على أبي بكر محمد بن يحي الصولي وأنا أسمع للراضي بالله:
كل صفو إلى كدر *** كل أمن إلى حذر
ومصيرالشباب للمو *** ـت فيه أو الكبر
درَّ درَّ المشيب من *** واعظ ينذر البشر
أيها الأمل الذي *** تاه في لجة الغرر
أين من كان قبلنا *** درس الشخص والأثر
سيرد المعار من *** عمره كله خطر
رب إني ذخرت عنـ *** دك أرجوك مدخر
إنني مؤمن بما *** بيَّن الوحي في السور
واعترافي بترك نفـ ***ــعي وإيثاري الضرر
ر ب فاغفر لي الخطيـ *** ــئة يا خير من غفر
* كان ابن ماسي من دار كعب ينفذ إلى عمر غلام ثعلب وقتًا بعد وقت كفايته لما ينفق على نفسه، فقطع ذلك عنه مدة لعذر، ثم أنفذ إليه بعد ذلك جملة ما كان في رسمه، وكتب إليه رقعة يعتذر إليه من تأخير ذلك عنه, فرده وأمر من بين يديه أن يكتب على ظهر رقعته: أكرمتنا فملكتنا، ثم أعرضت عنا فأرحتنا.
* عن محمد بن يحيى الصولي قال: كنت أقرأ على أبي خليفة في منزله لهاشمي البصرة خصوصًا كتاب طبقات الشعراء وغيره، فواعدنا يومًا وقال: لا تخلفوني فإني أتخذ لكم خبيصة كافية، فتأخرت لشغل عرض لي, ثم جئت والهاشميون عنده فلم يعرفني الغلام وحجبني، فكتبت إليه:
أبا خليفة تجفو من له أدب وتؤثر الغرَّ من أبنا ء عباس
وأنت رأس الورى في كل مكرمة وفي العلوم، وما الأذناب كالرّاس
ما كان قدر خبيص لو أذنت لنا فيه، لتختلط الأشراف بالناس
فلما قرأ الرفعة صاح على الغلام ودخلت إليه، فلما رآني قال: أسأت إلينا بتغيبك، وظلمتنا في تعتبك, وإنما عقد المجلس بك، ونحن فيما فاتنا بتأخرك.