* عن سفيان الثوري قال: لا يجد العبد طعم الإيمان إلا بالورع الشافي.
* عن أبي عثمان الآدمي قال: وسئل إبراهيم الخواص عن الورع فقال: أن لا يتكلم العبد إلا بالحق غضب أو رضي، ويكون اهتمامه بما يرضي الله تعالى.
* عن إبراهيم بن أدهم قال: الناس أربعة في الورع: فمنهم ورع عن القليل والكثير، ومنهم ورع عن القليل، وإذا أشرف على الكثير لم يتورع عنه، ومنهم ورع عن الكثير ويدنس ورعه بالقليل، ومنهم من لا يتورع عن قليل ولا كثير.
* عن أبي بكر البزار قال: عادلت الفقيه أبا زيد ـ محمد المروزي ـ من نيسابور الى مكة فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة.
* عن قتيبة قال: لولا الثوري لمات الورع, ولولا أحمد بن حنبل لأحدثوا في الدين. قلت لقتيبة: تضم أحمد بن حنبل إلى أحد التابعين؟ فقال: إلى كبار التابعين.
* عن أحمد بن سعيد الرباطي قال: قدمت على أحمد بن حنبل فجعل لا يرفع رأسه إلي، فقلت: يا أبا عبد الله إنه يكتب عني بخراسان، وإن عاملتني بهذه المعاملة رموا بحديثي، فقال لي: يا أحمد هل بد يوم القيامة من أن يقال أين عبد الله ابن طاهر وأتباعه؟ انظر أين تكون أنت منه.
* عن أبي علي النقار قال: سقطت من عقدة دنانير على باب دار أبي ذر الخزاز، فجاء بنخال ليطلبها، قال: عقدة فوجدتها ثم فكرت فقلت: ليس في الدنيا غير دنانيرك؟! فقلت للنخال: هي في ذمتك ومضيت وتركته، وكان يؤدب ابن هشام الخزاز، فلما حذق الصبي وتعلم، وجه إليه ابن هشام دنانير صالحة فردها، فظن ابن هشام أن عقدة استقلها فأضعفها له، فقال: عقدة ما رددتها استقلالًا، ولكن سألني الصبي أن أعلمه القرآن فاختلط تعليم النحو بتعليم القرآن، فلا أستحل أن آخذ منه شيئًا ولو دفع إلي الدنيا.
* عن المدائني قال: كان سبب حبس ابن سيرين في الدين، أنه اشترى زيتًا بأربعين ألف درهم، فوجد في زق منه فأرة، فقال: الفأرة كانت في المعصرة، فصب الزيت كله. وكان يقول: عيرت رجلًا بشيء مذ ثلاثين سنة، أحسبني عوقبت به وكانوا يرون أنه عير رجلًا بالفقر فابتلي به.
* كنت جالسًا إلى جنب أحمد بن حنبل، فقلت: يا أبا عبد الله، استمد من محبرتك فنظر إلي فقال: لم يبلغ ورعي وورعك هذا وتبسم.
* عن عمر بن أخت بشر بن الحارث قال: دخل علينا بشر بن الحارث يوم أضحى، قال: فقالت لي أمي أحسب أن الكلاب قد شبعت من اللحم في هذا اليوم، قال: فخرج فلما كان العصر جاءنا ومعه خرقة فيها رطل لحم، فقال لها: اطبخي هذا، قال: قالت: إيش أطبخه، قال، اطبخيه بماء وملح، قال: فطبخت نصفه بماء وملح واشترت بحبة سلقًا وطبخت النصف الآخر به. قال: فلما كان المغرب جاء ومعه رغيف وما رأيناه قط أكل عندنا شيئًا، قال: فقال لها إثردي هذا الرغيف في الماء والملح وهاتيه، قال: ففعلت وقدمته إليه. قال: فجعل يأكل الثريد ويدع اللحم، قال: فشالته، فلما كان من الغد جاءنا ومعه رغيف قال، فقال لها: إن كان قد بقي من ذلك الماء والملح شيء فأثردي هذا الرغيف فيه وهاتيه، قالت ما بقي من الماء والملح شيء، ولكن كنت قد اشتريت بحبة سلقًا، وعملت باقي اللحم، وقد بقي منه شيء فقال: ولا هذا أيضًا لي فيه حاجة، قالت له: ولِمَ؟ قال: لأن الماء والملح، قلت لك بقي شيء منه؟ فقلت: لا، وكذبت فيه، وهذا أفسدتيه بسلق لا أدري من أين هو؟.
* عن عبيد بن غنام قال: مرض حفص بن غياث خمسة عشر يومًا، فدفع إلي مائة درهم فقال: امض بها إلى العامل وقل له هذه رزق خمسة عشر يومًا، لم أحكم فيها بين المسلمين لاحظ لي فيها.
* عن الجنيد قال: مات أبو حارث المحاسبي يوم مات، وإن الحارث لمحتاج إلى دانق فضة، وخلف مالًا كثيرًا، وما أخذ منه حبة واحدة، وقال: أهل ملتين لا يتوارثان وكان أبوه واقفيًا.
* عن أبي رجاء (يعني قتيبة بن سعيد) قال: لولا الثوري لمات الورع.
* عن أبي عبد الله بن المحاملي قال: صليت صلاة العيد يوم فطر في جامع المدينة، فلما انصرفت قلت في نفسي، أدخل على داود بن علي أهنيه، وكان ينزل قطيعة الربيع. قال: فجئته وقرعت عليه الباب فأذن لي فدخلت عليه، وإذا بين يديه طبق فيه أوراق هندبًا وغصارة فيها نخلة، وهو يأكل فهنيته وتعجبت من حاله ورأيت أن جميع ما نحن فيه من الدنيا ليس بشيء، فخرجت من عنده ودخلت على رجل من مجندي القطيعة، يعرف بالجرجاني؛ فلما علم بمجيئي إليه خرج إليّ حاسر الرأس حافي القدمين، وقال لي: ما عنى القاضي أيده الله، فقلت: مهم. قال: وما هو؟ قلت: في جوارك داود بن علي ومكانه من العلم، وأنت فكثير البر والرغبة في الخير تغفل عنه، وحدثته بما رأيت. فقال لي داود: شرس الخلق، أعلم القاضي أني وجهت إليه البارحة ألف درهم مع غلامي ليستعين بها في بعض أموره فردها مع الغلام، وقال للغلام: قل له بأي عين رأيتني وما الذي بلغك من حاجتي وخلتي حتى وجهت إلي بهذا؟ قال: فتعجبت من ذلك فقلت له: هات الدراهم فإني أحملها إليه أنا، فدعا بها ودفعها إلي ثم قال: يا غلام: ناولني الكيس الآخر، فجاءه بكيس فوزن ألفًا أخرى. فقال: تيك لنا وهذه لموضع القاضي وعنايته، قال: فأخذت الألفين وجئت إليه فقرعت بابه، وكلمني من وراء الباب أو قال ما رد القاضي، قلت: حاجة أكلمك فيها، فدخلت وجلست ساعة ثم أخرجت الدراهم وجعلتها بين يديه، فقال: هذا جزاء من ائتمنك على سره. إنما بأمنة العلم أدخلتك إلي، ارجع فلا حاجة لي فيما معك، قال المحاملي: فرجعت وقد صغرت الدنيا في عيني، ودخلت على الجرجاني فأخبرته بما كان. فقال: أما أنا فقد أخرجت هذه الدراهم لله تعالى لا ترجع في مالي هذا، فليتول القاضي إخراجها في أهل الستر والعفاف من المتجملين بالستر والصيانة على ما يراه، فقد أخرجتها عن قلبي.
* عن مبارك بن سعيد قال: جاء رجل إلى سفيان ببدرة أو قال ببدرتين (شك أبو زكريا) وكان أبو ذلك الرجل صديقًا لسفيان جدًا، وكان سفيان يأتيه فيقيل عنده، ويأتيه كثيرًا. قال: فقال يا أبا عبد الله في نفسك من أبي شيء؟ فأثنى عليه وقال: رحم الله أباك. وذكر من فضله فقال له: يا أبا عبد الله قد عرفت كيف صار إليّ هذا المال، وأنا أحب أن تقبل هذا الذي جئتك به، تستعين به على عيالك، قال: فقبله منه فخرج الرجل. فلما خرج أو كاد أن يخرج قال لي: يا مبارك إلحقه فرده، قال: فلحقته فرددته، فقال: يا ابن أخي أحب أن تقبل هذا المال، فإني قد قبلته منك ولكن أحب أن تأخذه فترجع به، فقال: يا أبا عبد الله في نفسك منه شيء؟ قال: لا، ولكن أحب أن تقبله، فلم يزل به حتى أخذه، فلما خرج جئت وقد داخلني ما لا أملك؛ فقعدت بين يديه فقلت: ويحك يا أخي إيش قلبك هذا حجارة؟ أنت ليس لك عيال؟ أما ترحمني أما ترحم إخوانك أما ترحم صبياننا؟ قال: فأكثرت عليه من هذا النحو فقال: يا مبارك تأكلها أنت هنيئًا مريئًا، وأسأل أنا عنها لا يكون هذا أبدًا.
* عن ابن أبي الورد قال: دخلت على سري السقطي وهو يبكي ودورقه مكسور، فقلت: ما لك؟ قال: انكسر الدورق فقلت: أنا اشتري لك بدله، فقال لي: تشتري بدله وأنا أعرف من أين الدانق الذي اشترى به الدورق، ومن عمله، ومن أين طينه، وإيش أكل عامله حتى فرغ من عمله.
* عن حسن المسوحي قال: دفع إلي السري السقطي قطعة، فقال: اشتر لي باقلاء من رجل قدره داخل الباب، فطفت الكرخ كله فلم أجد إلا من قدره خارج الباب، فرجعت إليه فقلت: خذ قطعتك فإني لم أجد إلا من قدره خارج.
* عن الخطيب قال: قال البرقاني: ودفع إليّ يومًا قدحًا فيه كسر يابسة وأمرني أن أحمله إلى الباقلاني، ليطرح عليه ماء الباقلاء، ففعلت ذلك، فلما ألقى الباقلاني عليه الماء وقع في القدح من الباقلاء اثنتين أو ثلاث، فبادر الباقلاني إلى رفعها فقلت له: ويحك ما مقدار هذا حتى ترفعه من القدح، فقال: هذا الشيخ يعطيني في كل شهر دانقًا حتى أبلّ له الكسر اليابسة، فكيف أدفع إليه الباقلاء مع الماء، وجعل البرقاني يصف أشياء من تقلله وزهده.
* عن نصر بن علي قال: سمعت الأصمعي يقول لعفان: وجعل يعرض عليه شيئًا من الحديث، فقال: اتق الله يا عفان، ولا تغير حديث رسول الله بقولي، قال نصر: وكان الأصمعي يتقي أن يفسر حديث رسول الله، كما يتقي أن يفسر القرآن.
* عن الفراء قال: رأيت الكسائي يومًا، فرأيته كالباكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: هذا الملك يحيى بن خالد يوجه إلي فيحضرني، فيسألني عن الشيء فإن أبطأت في الجواب لحقني منه عيب، وإن بادرت لم آمن الزلل، قال: فقلت له ممتحنًا يا أبا الحسن، من يعترض عليك؟ قل ما شئت، فأنت الكسائي، فأخذ لسانه بيده فقال: قطعه الله إذا أنا قلت ما لا أعلم.
* عن أحمد بن عبد الله بن خالد قال: سئل أحمد بن محمد بن حنبل عن مسألة في الورع. فقال: أنا أستغفر الله لا يحل لي أن أتكلم في الورع, أنا آكل من غلة بغداد. لو كان بشر بن الحارث صلح أن يجيبك عنه, فإنه كان لا يأكل من غلة بغداد ولا من طعام السواد, فهو يصلح أن يتكلم في الورع.
* عن أبي حسان الزيادي قال: قال عتبة بن غزوان المازني وهو والي عمر بن الخطاب على البصرة، مات بالطريق راجعًا إلى البصرة. وكان قد استعفى عمر فأبى أن يعفيه، وكان من دعائه: اللهم لا تردني إلى البصرة واليًا لعمر. فمات قبل أن يصل إليها.
* عن علي بن حفص البزاز قال: كان حفص بن عبد الرحمن شريك أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يجهز عليه فبعث إليه في رفقة بمتاع، وأعلمه أن في ثوب كذا وكذا عيبًا فإذا بعته فبين. فباع حفص المتاع ونسي أن يبين، ولم يعلم ممن باعه فلما علم أبو حنيفة تصدق بثمن المتاع كله.
* عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كنت مع أبي يومًا من الأيام في المنزل، فدق داق الباب، قال لي: أخرج فأنظر من بالباب فخرجت، فإذا امرأة قال: قالت لي استأذن لي على أبي عبد الله، (يعني أباه) قال: فاستأذنته فقال: أدخلها. قال: فدخلت فجلست فسلمت عليه، وقالت له: يا أبا عبد الله أنا امرأة أغزل بالليل بالسراج، فربما طفأ السراج فأغزل في القمر، فعلي أن أبين غزل القمر من غزل السراج، قال: فقال لها: إن كان عندك بينهما فرق فعليك أن تبيني ذلك، قال: قالت له: يا أبا عبد الله أنين المريض شكوى، قال: أرجو ألا يكون شكوى، ولكنه اشتكاء إلى الله، قال: فودعته وخرجت، قال: فقال لي: يا بني ما سمعت قط إنسانا سأل عن مثل هذا؟! اتبع هذه المرأة فانظر أين تدخل، قال: فاتبعتها فإذا قد دخلت إلى بيت بشر بن الحارث، وإذا هي أخته. قال: فرجعت فقلت له: فقال: محال أن تكون مثل هذه إلا أخت بشر.
* عن عبدالله بن أحمد بن حنبل قال: جاءت مخة أخت بشر بن الحارث إلى أبي، فقالت له: إني أمراة رأس مالي دانقين اشتري القطن فاردنه فأبيعه بنصف درهم، فاتقوت بدانق من الجمعة إلى الجمعة. فمر ابن طاهر الطائف ومعه مشعل فوقف يكلم أصحاب المصالح، فاستغنمت ضوء المشعل فغزلت طاقات، ثم غاب عني المشعل، فعلمت أن لله فيّ مطالبة، فخلصني خلصك الله فقال لها: تخرجين الدانقين ثم تبقين بلا رأس مال حتى يعوضك الله خيرًا منهما، فقلت لأبي: يا أبة. لو قلت لها لو أخرجت الغزل الذي أدركت فيه الطاقات، فقال: يا بني سؤالها لا يحتمل التأويل، ثم قال: من هذه؟ قلت: مخة أخت بشر بن الحارث، فقال: من هاهنا أتيت.
* عن أبي حمدون المقرئ واسمه طيب بن إسماعيل قال: ذهبنا إلى المدائن إلى شعيب بن حرب, وكان قاعدًا على شط الدجلة, وكان قد بنى كوخًا, وخبز له معلق في شريط, ومطهرة يأخذ كل ليلة رغيفًا يبله في المطهرة و يأكله, فقال بيده هكذا, وإنما كان جلد وعظم. قال: فقال: أرى هوذا بعد لحم, والله لأعملن في ذوبانه حتى أدخل إلى القبر, وأنا عظام تقعقع أريد السمن للدود والحيات. قال: فبلغ أحمد بن حنبل قوله فقال: شعيب بن حرب حمل على نفسه في الورع.