فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 593

* عن أبي بكر بن عياش قال: مات عمر بن سعيد - أخو سفيان - فأتيناه نعزيه, فإذا المجلس غاص بأهله, وفيهم عبد الله بن إدريس, إذ أقبل أبو حنيفة في جماعة معه, فلما رآه سفيان تحرك من مجلسه, ثم قام فاعتنقه, وأجلسه في موضعه, وقعد بين يديه, قال أبو بكر: فاغتظت عليه, وقال: ابن إدريس ويحك، ألا ترى, فجلسنا حتى تفرق الناس, فقلت لعبد الله بن إدريس: لا تقم حتى نعلم ما عنده في هذا, فقلت: يا أبا عبد الله رأيتك اليوم فعلت شيئًا أنكرته, وأنكره أصحابنا عليك, قال: وما هو؟ قلت: جاءك أبو حنيفة, فقمت إليه, وأجلسته في مجلسك, وصنعت به صنيعًا بليغًا, وهذا عند أصحابنا منكر, فقال: وما أنكرت من ذاك؟! هذا رجل من العلم بمكان فإن لم أقم لعلمه قمت لسنه, وإن لم أقم لسنه قمت لفقهه, وإن لم أقم لفقهه قمت لورعه, فأحجمني فلم يكن عندي جواب.

* عن أبي الحسن الدار قطني أنه حضر أبا بكر المستملي في المجلس, أملاه يوم الجمعة, فصحف اسمًا أورده في إسناد حديث، إما كان حبان، فقال حيان، أو حيان فقال حبان: قال أبو الحسن: فأعظمت أن يحمل عن مثله في فضله, وجلالته، وهم, وهبته أن أوقفه على ذلك، فلما انقضى الإملاء تقدمت إلى المستملي, وذكرت له وهمه، وعرفته صواب القول فيه، وانصرفت، ثم حضرت الجمعة الثانية مجلسه, فقال أبو بكر للمستملي: عرف جماعة الحاضرين أنا صحفنا الاسم الفلاني لما أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية، ونبهنا ذلك الشاب على الصواب؛ وهو كذا، وعرّف ذلك الشاب، أنا رجعنا إلى الأصل فوجدناه كما قال.

* عن عروة بن الزبير قال: أن المسور بن مخرمة أخبره أنه قدم وافدًا على معاوية بن أبى سفيان فقضى حاجته، ثم دعاه فأخلاه فقال: يا مسور مافعل طعنك على الأئمة؟ فقال: المسور دعنا من هذا وأحسن فيما قدمنا له. قال: معاوية لا والله لتكلمنّ بذات نفسك، والذي تعيب علىّ, قال المسور: فلم أترك شيئًا أعيبه عليه إلا بينته له, قال معاوية: لا بريء من الذنب، فهل تعد يا مسور مالي من الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشر أمثالها؟ أم تعد الذنوب, وتترك الحسنات, قال المسور: لا والله ما نذكر إلا ما ترى من هذه الذنوب. قال معاوية: فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه, فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم يغفرها الله؟ قال مسور: نعم! قال معاوية: فما يجعلك أحق أن ترجو المغفرة مني؟ فوالله لما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي, ولكن والله لا أخير بين أمرين، بين الله وبين غيره إلا اخترت الله تعالى على ما سواه، وأنا على دين يقبل الله فيه العمل، ويجزى فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب، إلا أن يعفو عمن يشاء، فأنا احتسب كل حسنة عملتها بأضعافها، وأوازي أمورًا عظامًا لا أحصيها ولا تحصيها، من عمل الله في إقامة صلوات المسلمين، والجهاد في سبيل الله عز وجل، والحكم بما أنزل الله تعالى، والأمور التي لست تحصيها وإن عددتها لك، فتفكر في ذلك. قال المسور: فعرفت أن معاوية قد خصمني حين ذكر لي ما ذكر, قال عروة: فلم يسمع المسور بعد ذلك يذكر معاوية إلا استغفر له.

* عن عبد الرحمن بن مهدي قال: كنا في جنازة فيها عبيد الله بن الحسن وهو على القضاء فلما وضع السرير جلس وجلس الناس حوله. قال: فسألته عن مسألة فغلط فيها. فقلت: أصلحك الله القول في هذه المسألة كذا وكذا إلا أني لم أرد هذه إنما أردت أن أرفعك إلى ما هو أكبر منها, فأطرق ساعة, ثم رفع رأسه فقال: إذًا أرجع وأنا صاغر, إذا أرجع وأنا صاغر, لأن أكون ذنبًا في الحق أحب إلي من أن أكون رأسًا في الباطل.

* عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري قال: قال - أي الداخلي - يومًا فيما كان يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم, فقلت له: يا أبا فلان إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم, فانتهرني, فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل, ونظر فيه, ثم خرج فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم, فأخذ القلم مني وأحكم كتابه, فقال: صدقت, فقال له بعض أصحابه: ابن كم كنت إذ رددت عليه؟ فقال: ابن إحدى عشرة.

* عن أبي العيناء قال: كنا مع المأمون في طريق الشام, فأمر فنودي بتحليل المتعة, فقال لنا يحيى بن أكثم: بكرا غدًا إليه, فإن رأيتما للقول وجهًا, فقولا, وإلا فاسكتا إلى أن أدخل. قال: فدخلنا إليه, وهو يستاك, ويقول - وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول الله, وعلى عهد أبي بكر, وأنا أنهى عنهما, ومن أنت يا أحول حتى تنهى عما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -, وأبو بكر, فأومات إلى محمد بن منصور أن أمسك رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلمه نحن, فأمسكنا, وجاء يحيى, فجلس, وجلسنا فقال المأمون ليحيى: مالي أراك متغيرًا. قال: هو غم يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام. قال: وما حدث فيه؟ قال: النداء بتحليل الزنا. قال: الزنا! قال: نعم المتعة. قال: ومن أين قلت هذا؟ قال: من كتاب الله. وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, قال الله تعالى:) قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( [المؤمنون:1] إلى قوله) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ( [المؤمنون:5، 7] يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا! قال: فهي الزوجة التي عني الله ترث وتورث, ويلحق الولد, ولها شرائطها؟ قال: لا! قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين. وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما محمد بن علي عن علي بن أبي طالب قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها, بعد أن كان أمر بها. فالتفت إلينا المأمون, فقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري؟ فقلنا: نعم يا أمير المؤمنين. رواه جماعة منهم مالك. فقال: أستغفر الله, نادوا بتحريم المتعة فنادوا بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت