فهرس الكتاب

الصفحة 352 من 593

المذاكرة بين أهل العلم:

* عن أحمد بن محمد قال: اجتمع المبرد, وأحمد بن يحيى ـ يعني ثعلبًا ـ عند محمد بن طاهر أمير بغداد فتناظرا في مسألة من أصول النحو عقلية ودققا, وكان الحسين بن إسماعيل المحاملي جالسًا فقالا: إن رأى القاضي أن يحكم بيننا, فقال: لا يسعني الحكومة بينكما لأنكما تجاوزتما ما أعرفه, ولا يجوز حكمي إلا بعد معرفة.

* قال محمد بن إسحاق ـ بن راهوية ـ فذاكرت بهذا الحديث أبا عُمَير ببيت المقدس فقال: ما ظننت أن في هذا حديثا مُسندًا إلا عندي.

* عن أبي يحيى ـ يعني عبد الصمد بن الفضل ـ قال: بلغني عن القاسم بن زريق, وكان من تلاميذ أبي مطيع قال: دخلت أنا وأبو مطيع بغداد فاستقبلنا أبو يوسف فقال: يا أبا مطيع كيف قدمت؟ قال: ثم نزل عن دابته, فدخلا المسجد, فأخذا في المناظرة.

* عن أحمد بن عمر بن روح أن المعافي بن زكريا حضر في دار لبعض الرؤساء, وكان هناك جماعة من أهل العلم والأدب, فقالوا له: في أي نوع من العلوم نتذاكر؟ فقال المعافي لذلك الرئيس: خزانتك قد جمعت أنواع العلوم وأصناف الأدب, فإن رأيت أن تبعث بالغلام إليها, وتأمره أن يفتح بابها, ويضرب بيده إلى أي كتاب قرب منها, فيحمله, ثم تفتحه, وتنظر في أي نوع هو, فنتذاكره, ونتجارى فيه.

* عن حماد بن زيد قال: قدم علينا جرير بن حازم من المدينة فأتيناه فسلمنا عليه, فما برحنا حتى تذاكرنا الحديث, فقال في بعض ما يقول: حدثنا قيس بن سعد عن الحجاج بن أرطاة, فلبثنا ما شاء الله, فقدم علينا الحجاج بن ثلاثين, أو إحدى وثلاثين, فرأيت عليه من الزحام ما لم أر على حماد بن أبي سليمان رأيت عنده مطرًا الوراق, وداود بن أبي هند, ويونس بن عبيد جثاة علي أرجلهم يقولون له: يا أبا أرطاة ما تقول في كذا.

* عن عبد الرحمن بن مهدي قال: كنا بمكة نتذاكر الحديث, فبينما نحن كذلك إذا إنسان قد دخل, فيما بيننا, فسمع حديثنا فقلنا له: من أنت؟ قال: أنا معاوية بن صالح. قال: فاحتوشناه.

* عن أبي مسعود الأصبهاني قال: كنا نتذاكر الأبواب. قال: فخاضوا في باب فجاؤوا فيه بخمسة أحاديث. قال: فجئتهم أنا بأخر فصار سادسًا. قال: فنخس أحمد بن حنبل في صدري يعنى لإعجابه به.

* عن القاضي أبي طالب قال: كنت مع أبي في جنازة بعض أهل بغداد من الوجوه, وإلى جانبه في الحق جالس أبو جعفر الطبري, فأخذ أبي يعظ صاحب المصيبة ويسليه, وينشده أشعارًا, ويروى له أخبارًا, فداخله الطبري في ذلك, ودأب معه ثم اتسع الأمر بينهم في المذاكرة, وخرجا إلى فنون كثيرة من الأدب والعلم. استحسنها الحاضرون وعجبوا منها, وتعالى النهار, وافترقا فلما جعلت أسير خلفه قال لي أبي: يا بنى هذا الشيخ الذي داخلنا اليوم في المذاكرة من هو أتعرفه؟ فقلت: يا سيدي كأنك لم تعرفه, فقال: لا. فقلت: هذا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري. فقال: تالله ما أحسنت عشرتي يا بني. فقلت: كيف يا سيدي؟ قال: ألا قلت لي في الحال, فكنت أذاكره غير تلك المذاكرة, هذا رجل مشهور بالحفظ والاتساع في صنوف من العلم, وما ذاكرته بحسبها. قال: ومضت على هذا مدة فحضرنا في حق آخر, وجلسنا فإذا بالطبري يدخل إلى الحق, فقلت له: قليلًا قليلًا أيها القاضي هذا أبو جعفر الطبري قد جاء مقبلًا. قال: فأومأ إليه بالجلوس عنده, فعدل إليه, فأوسعت له حتى جلس إلى جنبه, وأخذ أبي يجاريه, فكلما جاء إلى قصيدة ذكر الطبري منها أبياتًا. قال أبي: هاتها يا أبا جعفر إلى آخرها, فيتلعثم الطبري, فينشدها أبي إلى آخرها, وكلما ذكر أشياء من السير قال أبي: كان هذا في قصة فلان ويوم بني فلان, مر يا أبا جعفر فيه, فربما مر وربما تلعثم, فيمر أبي في جميعة حتى يشقه. قال: فما سكت أبي يومه ذلك إلى الظهر, وبان للحاضرين تقصير الطبري عنه, ثم قمنا فقال لي أبي: الآن شفيت صدري.

* عن القاضي أبي نصر يوسف قال: كانت احضر دار المقتدر وأنا غلام حدث بالسواد مع أبى الحسن وهو يومئذ يخلف أباه أبا عمر, فكنت أرى في بعض المواكب القاضي أبا جعفر يحضر بالسواد, فإذا رآه أبي عدل إلى موضعه فجلس عنده فيتذاكران بالشعر والأدب والعلم حتى يجتمع عليهما من الخدم عدد كثير كما يجتمع على القصاص استحسانًا لم يجري بينهما, فسمعته يومًا قد أنشد بيتًا لا أذكره الآن, فقال له أبي: أيها القاضي إني أحفظ هذا البيت بخلاف هذه الرواية فصاح عليه صيحة عظيمة وقال: اسكت إليَّ تقول هذا, فأنا أحفظ لنفسي من شعري خمسة عشرة ألف بيت, وأحفظ للناس أضعاف ذلك وأضعافه, يكررها مرارًا.

* عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال: سمعت أبا بكر بن زنجويه يقول: قدمت مصر وأتيت أحمد بن صالح, فسألني: من أين أنت؟ قلت: من بغداد. قال: منزلك من منزل أحمد بن حنبل. قلت: أنا من أصحابه. قال: تكتب لي موضع منزلك, فإني أريد أوافي العراق حتى تجمع بيني وبين أحمد بن حنبل, فكتبت له, فوافي أحمد بن صالح سنة اثنتي عشرة إلى عفان فسأل عني فلقيني, فقال: الموعد الذي بيني وبينك, فذهبت به إلى أحمد بن حنبل, واستأذنت له فقلت: أحمد بن صالح بالباب, فأذن له فقام إليه ورحب به, وقربه, وقال له: بلغني أنك جمعت حديث الزهري, فتعال نذاكر ما روى الزهري عن أصحاب رسول الله, فجعلا يتذاكران, ولا يغرب أحدهما عن الآخر حتى فرغا. قال: وما رأيت أحسن من مذاكرتهما, ثم قال أحمد بن حنبل لأحمد بن صالح تعال حتى نذاكر ما روى الزهري عن أولاد أصحاب رسول الله, فجعلا يتذاكران أحدهما على الآخر إلى أن قال أحمد بن حنبل لأحمد بن صالح: عند الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ما يسرني أن لي حمر النعم وأن لي حلف المطيبين» فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: أنت الأستاذ, وتذكر مثل هذا, فجعل أحمد بن حنبل يبتسم, ويقول: رواه عن الزهري رجل مقبول أو صالح: عبد الرحمن بن إسحاق, فقال: من رواه عن عبد الرحمن, فقال حدثناه رجلان تقيان: إسماعيل بن عليه, وبشر بن الفضل, فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: سألتك بالله إلا أمليته عليَّ, فقال أحمد: من الكتاب, فقام ودخل وأخرج الكتاب, وأملى عليه, فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: لو لم أستفد بالعراق إلا هذا الحديث كان كثيرًا, ثم ودعه وخرج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت