فهرس الكتاب

الصفحة 409 من 593

* عن أبي الحسن القاضي قال: كان ببغداد رجل يعرف بسوقة وكان مشهورًا بالكلام, وكان ابن أبي عوف يطلبه بسبب المذهب, وكان العدول يطيعون ابن أبي عوف لتمكنه من السلطان, فقال للعدول: اشهدوا على شهادتي عند السلطان على موته بالحد حلال الدم, فشهد وشهدوا على شهادته, فأحضر وأحضر ابن أبي عوف للمناظرة, فلما حضر سوقة قال له الخليفة: ما تقول؟ فنظر فإذا هو إن كذب العدول أوجب على نفسه عقوبة, وإن سكت حقق على نفسه, فقال: أطال الله بقاء أمير المؤمنين أنا تائب من كل مذهب خالف التوحيد والإسلام, وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله, فأمرهم الخليفة فانصرفوا.

* عن أبي محمد عبد الله بن حمدون قال: قال لي المعتضد ليلة وقدم له عشاء: لقمني. قال: وكان الذي قدم فراريج ودراريج, فلقمته من صدر فروج, فقال: لا لقمني من فخذه, فلقمته لقمًا, ثم قال: هات من الدراريج, فلقمته من أفخاذها, فقال: ويلك هو ذا تتنادر عليَّ! هات من صدورها, فقلت: يا مولاي ركبت القياس فضحك, فقلت له: إلى كم أضحك ولا تضحكني؟ قال: شل المطرح, وخذ ما تحته. قال: فشلته فإذا دينار واحد فقلت: أخذ هذا؟ فقال: نعم, فقلت له: بالله هو ذا تتنادر أنت الساعة، على خليفة يجيز نديمه بدينار, فقال: ويلك لا أجد لك في بيت المال حقًا أكثر من هذا, ولا تسمح نفسي أن أعطيك من مالي شيئًا, ولكن هو ذا أحتال لك بحيلة تأخذ فيها خمسة آلاف دينار, فقبلت يده, فقال: إذا كان غدًا وجاءني القاسم يعني ابن عبيد الله, فهو ذا أسارك حين يقع نظري عليه سرارًا طويلًا التفت فيه إليه كالمغضب, وانظر أنت إليه في خلال ذلك كالمخالس لي نظر المترثي له, فإذا انقطع السرار فيخرج ولا يبرح الدهليز أو تخرج, فإذا خرجت خاطبك بجميل, وأخذك إلى دعوته, وسألك عن حالك, فاشك الفقر والخلة, وقلة حظك مني, وثقل ظهرك بالدين والعيال, وخذ ما يعطيك, واطلب كل ما تقع عينك عليه, فإنه لا يمنعك حتى تستوفي الخمسة آلاف دينار, فإذا أخذتها فسيسألك عما جرى بينا, فاصدقه وإياك أن تكذبه, وعرفه أن ذلك حيلة مني عليه حتى وصل إليك هذا, وحدثه بالحديث كله على شرحه, وليكن إخبارك إياه بذلك بعد امتناع شديد وإحلاف منه لك بالطلاق والعتاق أن تصدقه, وبعد أن تخرج من داره تأخذ كل ما يعطيك إياه, وتحصله في بيتك, فلما كان من غد حضر القاسم حين رآه بدا يسارني, وجرت القصة على ما واضعته عليه, فخرجت فإذا القاسم في الدهليز ينتظرني, فقال: يا أبا محمد ما هذا الجفاء؟ لا تجئني ولا تزورني, ولا تسألني حاجة, فاعتذرت إليه باتصال الخدمة علي, فقال: ما يقنعني إلا أن تزورني اليوم ونتفرج, فقلت: أنا خادم الوزير, فأخذني إلى طيارة, وجعل يسألني عن حالي وأخباري, وأشكوا إليه الخلة والإضافة والدين والبنات, وجفاء الخليفة وامساكه يده, فيتوجع ويقول: يا هذا مالي لك, ولن يضيق عليك ما يتسع عليَّ أو تتجاوزك نعمة تحصلت لي, أو يتخطاك حظ فإنك في فنائي, ولو عرفتني لعاونتك على إزالة هذا كله عنك, فشكرته وبلغنا داره فصعد, ولم ينظر في شيء, وقال: هذا اليوم أحتاج أن أختص فيه بالسرور بأبي محمد فلا يقطعني أحد عنه, وأمر كتباه بالتشاغل بالأعمال, وخلا بي في دار الخلوة, وجعل يحادثني ويبسطني, وقدمت الفاكهة, فجعل يلقمني بيده, وجاء الطعام, فكانت هذه سبيله, وهو يستزيدني, فلما جلس للشرب وقع لي بثلاثة آلاف دينار, وأخذتها للوقت وأحضر ثيابًا وطيبًا ومركوبًا, وأخذت ذلك, وكان بين يدي صينية فضة فيها مغسل فضة وخرداذي بلور, وكوز وقدح بللور, وأمر بحمله إلى طيارتي, وأقبلت كلما رأيت شيئًا حسنًا لـ قيمة وافرة طلبته, وحمل إلي فرشًا نفيسًا, وقال: هذا للبنات, فلما تقوض أهل المجلس خلا بي, وقال: يا أبي محمد أنت عالم بحقوق أبي عليك, ومودتي لك, فقلت: أنا خادم الوزير, فقال أريد أن أسألك عن شيء, وتحلف لي أنك تصدقني عنه, فقلت: السمع والطاعة, فأحلفني بالله وبالطلاق والعتاق على الصدق, ثم قال لي: بأي شيء سارك الخليفة اليوم في أمري؟ فصدقته عن كل ما جرى حرفًا بحرف, فقال: فرجت عني, ولكون هذا هكذا مع سلامة نيته لي أسهل علي, فشكرته وودعته, وانصرفت إلى بيتي, فلما كان من غد باكرت المعتضد, فقال: هات حديثك, فنسقته عليه, فقال: احفظ الدنانير, ولا يقع لك أني أعمل مثلها معك بسرعة.

* عن أبي الحسن الخرزي الداودي قال: لما جلس محمد بن داود بن علي الأصبهاني بعد وفاة أبيه في حلقته يفتي استصغروه عن ذلك فدسوا إليه رجلًا, وقالوا له: سله عن حد السكر ما هو؟ فأتاه الرجل فسأله عن حد السكر ما هو؟ ومتى يكون الإنسان سكران؟ فقال محمد: إذا عزبت عنه الهموم, وباح بسره المكتوم, فاستحسن ذلك منه, وعلم موضعه من العلم.

* عن سليمان بن يحيى بن معاذ قال: أن أبا جعفر المنصور كان جالسًا, فألح عليه ذباب يقع على وجهه, وألح في الوقوع مرارًا حتى أضجره, فقال: انظروا من بالباب, فقيل: مقاتل بن سليمان, فقال: عليَّ به, فلما دخل عليه قال له: هل تعلم لماذا خلق الذباب؟ قال: نعم؛ ليذل الله به الجبارين, فسكت المنصور.… (13/ 160)

* عن أبي القاسم علي بن الحسن بن علي قال: أن الملك الملقب بعضد الدولة كان قد بعث القاضي أبا بكر بن الباقلاني في رسالة إلى ملك الروم, فلما ورد مدينته عرف الملك خبره وبين له محله من العلم وموضعه, ففكر الملك في أمره, وعلم أنه لا يكفر له إذا دخل عليه كما جرى رسم الرعية أن تقبل الأرض بين يدي الملوك, ثم نتجت له الفكرة أن يضع سريره الذي يجلس عليه وراء باب لطيف لا يمكّن أحدًا أن يدخل منه إلا راكعًا ليدخل القاضي منه على تلك الحال فيكون عوضًا من تكفيره بين يديه, فلما وضع سريره في ذلك الموضع أمر بإدخال القاضي من الباب, فسار حتى وصل إلى المكان, فلما رآه تفكر فيه, ثم فطن بالقصة فأدار ظهره وحنا رأسه راكعًا ودخل من الباب وهو يمشي إلى خلفه قد استقبل الملك بدبره حتى صار بين يديه, ثم رفع رأسه ونصب ظهره وأدار وجهه حينئذ على الملك, فعجب من فطنته ووقعت له الهيبة في نفسه.

* عن حسن الوصيف قال: قعد المهدي قعودًا عامًا للناس, فدخل رجل وفي يده نعل في منديل فقال: يا أمير المؤمنين, هذه نعل رسول الله قد أهديتها لك, فقال: هاتها, فدفعها إليه, فقبل باطنها, ووضعها على عينيه, وأمر للرجل بعشرة آلاف درهم, فلما أخذها وانصرف قال لجلسائه: أترون أني لم أعلم أن رسول الله لم ير النعل هذه فضلًا عن أين يكون لبسها, ولو كذبناه قال للناس: أتيت أمير المؤمنين بنعل رسول الله فردها علي, وكان من يصدقه أكثر ممن يدفع خبره, وإذا كان من شأن العامة الميل إلى أشكالها والنصرة للضعيف على القوي وإن كان ظالمًا فاشترينا لسانه, وقبلنا هديته وصدقنا قوله, ورأينا الذي فعلناه أنجح وأرجح.

* عن أبي العيناء قال: لما ولي إسماعيل البصرة دس إليه الأنصاري يعني محمد بن عبد الله إنسانًا يسأله عن مسألة فقال: أبقى الله القاضي رجل قال لامرأته, فقطع عليه إسماعيل, وقال: قل للذي دسك: إن القضاة لا تفتي.

* عن إسحاق بن إبراهيم قال: دعاني المأمون, وعنده إبراهيم بن المهدي, وفي مجلسه عشرون جارية قد أقعد عشرًا عن يمينه وعشرًا عن يساره معهن العيدان يضربن بها, فلما دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأ فأنكرته. قال المأمون: يا إسحاق أتسمع خطأ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين, فقال لإبراهيم بن المهدي: هل تسمع خطأ؟ قال: لا, فأعاد علي السؤال, فقلت: بلى, والله يا أمير المؤمنين, وإنه لفي الجانب الأيسر فأعاد إبراهيم سمعه إلى ناحية اليسرى, ثم قال: لا, والله يا أمير المؤمنين ما في هذه الناحية خطأ, فقلت: يا أمير المؤمنين مر الجواري اللواتي على الميمنة أن يمسكن, فأمرهن فأمسكن, ثم قلت لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟ فتسمع, ثم قال: ما ها هنا خطأ, فقلت: يا أمير المؤمنين يمسكن وتضرب الثامنة, فأمسكن وضربت الثامنة, فعرف إبراهيم الخطأ, فقال: نعم يا أمير المؤمنين هاهنا خطأ, فقال عند ذلك المأمون: يا إبراهيم لا تمار إسحاق بعد اليوم فإن رجلًا فهم الخطأ بين ثمانين وترًا وعشرين حلقًا لجدير بأن لا تماريه, فقال: صدقت يا أمير المؤمنين.

* عن عبد العزيز بن أبي بكر الحسن العلاف قال: حدثني أبي قال: كنت ذات يوم في دار المعتضد, وقد أطلنا الجلوس بحضرته, ثم نهضنا إلى مجالسنا في حجرة كانت موسومة بالندماء, فلما أخذنا مضاجعنا, وهدأت العيون أحسسنا بفتح الأبواب, وتفتيح الأقفال بسرعة, فارتاعت الجماعة لذلك, وجلسنا في فرشنا, فدخل إلينا خادم من خدم المعتضد فقال: إن أمير المؤمنين يقول لكم: أرقت الليلة بعد انصرافكم, فعملت:

ولما انتهينا للخيال الذي سرى…إذا الدار قفر والمزار بعيد

وقد ارتج عليَّ تمامه فأجيزوه, ومن أجازه بما يوافق غرضي أجزلت جائزته, وفي الجماعة كل شاعر مجيد مذكور, وأديب فاضل مشهور, فأفحمت الجماعة, وأطالوا الفكر فقلت مبتدرًا لهم:

فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي لعل خيالًا طارقًا سيعود

فرجع الخادم إليه بهذا الجواب, ثم عاد إليَّ فقال: أمير المؤمنين يقول لك: أحسنت وما قصرت, وقد وقع بيتك الموقع الذي أريده, وقد أمر لك بجائزة, وهاهي فأخذتها, وازداد غيظ الجماعة مني.

* عن إسحاق بن محمد بن أبان قال: كنت قاعدًا مع دعبل بن علي بالبصرة, وعلى رأسه غلام يقال له نفنف, فمر به أعرابي يرفل في ثياب خز, فقال لغلامه: ادع هذا الأعرابي إلينا فأومأ الغلام إليه فجاء فقال له دعبل: ممن الرجل؟ قال: رجل من بني كلاب. قال: من أي بني كلاب؟ قال: من ولد أبي بكر. قال: أتعرف الذي يقول:

ونبئت كلبًا من كلاب يسبني فإن أنا لم أعلم كلابا بأنها…فكان إذا من قيس عيلان والدي….

ومحض كلاب يقطع الصلوات…كلاب وأني باسل النقمات…كانت إذا أمي من الحبطات….

يعني بني تميم وهم أعدى الناس لليمن. قال أبو يعقوب: وهذا الشعر لدعبل في عمرو بن عاصم الكلابي, فقال له الأعرابي: ممن أنت؟ فكره أن يقول من خزاعة فيهجوه, فقال أنا أنتمي إلى القوم الذين يقول فيهم الشاعر:

أناس علي الخير منهم وجعفر…وحمزة والسجاد ذو الثفنات

إذا افتخروا يومًا أتوا بمحمد…وجبريل والقرآن والسورات

وهذا الشعر أيضًا له قال: فوثب الأعرابي وهو يقول: محمد وجبريل والقرآن والسورات ما إلى هؤلاء مرتقى.

* عن أحمد بن الحسين الأنصاري قال: قدم علينا ابن عمرو بن مرزوق الباهلي البصري أصبهان في أيام سليمان بن داود الشاذكوني وذكر أن سليمان الشاذكوني وسفيان الرؤاسي وبلبل كانوا في رفقة يكتبون الحديث, فأخذوا غلامًا نصرانيًا, فلم يكن لهم موضع فأدخلوه مسجدًا فقالوا لسليمان الشاذكوني: أين ترى ننحره؟ فقال: أخبرنا جرير عن مغيره عن إبراهيم قال: المحاريب محدثة, فأبى الغلام دخول المحراب, فقال سليمان: عبد صالح اجتنب المنحر, فلما ضرب الدهر ضرباته, وقدم ابن عمرو بن مرزوق أصبهان سأل الشاذكوني وتوسل إليه بأبوته وبالبلديه فلم يسعفه بشيء, فأراد أن يخجل الشاذكوني فقام يوم مجلسه فقال: يا أبا أيوب إن رأيت أن تحدثنا بحديث العبد الصالح الذي اجتنب المنحر, وإذا أبو أيوب أعظم تجربة, وأشد حكمة من أن يخجله شاب, فقال: هذا عهد بعيد, والحديث طويل, ولم أذاكر به منذ حين فإذا فرغنا من المجلس, فأتنا ونحن في المنزل لنحدثك بحديث العبد الصالح الذي اجتنب المنحر, فرجع خجلًا وخرج عن البلد.

* عن عبد الله بن المعتز قال: كان أبو العباس محمد بن يزيد النحوي المبرد يجئني كثيرًا إذا خرج من عند إسماعيل القاضي لقرب داره من داري, وكنت لقيت أبا العباس أحمد بن يحيى في المسجد الجامع وكان يتشوقني, ويعتذر من تأخره عني, وكنت قد امتنعت من الركوب إلى المسجد وغيره, فكتبت إليه:

ما وجد صاد في الحبال موثق…جادت به أخلاف دجن مطبق…فهو عليها كالزجاج الأزرق…إلا كوجدي بك لكن اتقى…وصيرفيًا ناقدًا للمنطق…أنا على البعاد والتفرق….

بماء مزن بارد مصفق…لصخرة إن تر شمسًا تبرق صريح غيث خالص لم يمذق…يا فاتحًا لكل علم مغلق…إن قال هذا بهرج لم ينفق…لنلتقي بالذكر إن لم نلتق….

فكتب إلى يشكر ويقول إنه ليس ممن يعمل الشعر فيجيب ويشبه أول أبياتي بقول جميل:

فما صاديات حمن يومًا وليلة…لوائب لم يصددن عنه بوجهه…يرين حباب الماء والموت دونه…بأبعد مني غل صدر ولوعة….

على الماء يغشين العصى حوان…ولا هن من برد الحياض دوان…فهن لا صوات السقاة روان…عليك ولكن العدو عداني….

وإن آخر أبياتي يشبه قول رؤبة:

إني إذا لم ترني فإنني…أراك بالغيب وإن لم ترني

* عن يحيى بن أكثم القاضى قال: ما رأيت أكمل آلة من المأمون وجعل يحدث بأشياء استحسنها من كان في مجلسه, ثم قال: كنت عنده يعنى ليلة أذاكره وأحدثه, ثم نام وانتبه, فقال: يا يحيى انظر إيش عند رجلي, فنظرت فلم أر شيئًا, فقال: شمعة, فتبادر الفراشون, فقال: انظروا, فنظروا فإذا تحت فراشه حية بطوله فقتلوها, فقلت: قد انضاف إلى كمال أمير المؤمنين علم الغيب, فقال: معاذ الله, ولكني هتف بي هاتف الساعة وأنا نائم فقال:

يا راقد الليل انتبه…إن الخطوب لها سرى

ثقة الفتى بزمانه…ثقة محللة العرى

قال: فانتبهت فعلمت أن قد حدث أمرًا إما قريب وإما بعيد, فتأملت ما قرب فكان ما رأيت.

* عن أبي عيسى الهاشمي قال: كنت بحضرة المأمون, فأحضر رجلًا فأمر بضرب عنقه, وكان الرجل من ذوي العقول, فقال ليحيى بن أكثم: إن أمير المؤمنين قد أمر بضرب عنقي, وإن دمي عليه لحرام, فهل لي في حاجة أسأله إياها لا تضر بدينه ولا مروءته, فإذا فعل ذلك فهو في حل من دمي, فأظهر المأمون تحرجًا, فقال ليحيى بن أكثم: سله عنها فقال الرجل: يضع يده في يدي إلى الموضع الذي يضرب فيه عنقي, فإذا فعل ذلك فهو في حل من دمي, فقام المأمون من مجلسه, وضرب بيده إلى يد الرجل, فلم يزل يخبره وينشده ويحدثه حتى كأنه بعض من آنس به, فلما أن رأى السياف والسيف والموضع الذي يكون فيه مثل هذه الحال انعطف, فقال لأمير المؤمنين المأمون: بحق هذه الصحبة والمحادثة لما عفوت, فعفا عنه, وأجزل له الجائزة.

* عن أبي العيناء قال: كان الجاحظ يأكل مع محمد بن عبد الملك الزيات, فجاءوا بفالوجة فتولع محمد بالجاحظ, وأمر أن يجعل من جهته مارق من الجام فأسرع في الأكل, فتنظف ما بين يديه, فقال ابن الزيات: تقشعت سماؤك قبل سماء الناس, فقال له الجاحظ: لأن غيمها كان رقيقًا.

* عن إبراهيم بن الحسن بن سهل قال: كنا في موكب المأمون فترجل له أبو دلف فقال له المأمون: ما أخرك عنا؟ فقال: علة عرضت لي, فقال: شفاك الله وعافاك, اركب فوثب من الأرض على الفرس, فقال له المأمون: ما هذه وثبة عليل! فقال: بدعاء أمير المؤمنين شفيت.

* عن السائب بن الأقرع أنه كان جالسًا في إيوان كسرى قال: فنظرت إلى إنسان يشير بأصبعه إلى موضع, فوقع في روعي أنه يشير إلى كنز فاحتفرت ذلك الموضع فاستجمعت كنزًا عظيمًا، وكتبت إلى عمر أخبره أن هذا شيء أفاء الله عليَّ دون المسلمين, فكتب إلي عمر: إنك أمير من أمراء المسلمين, فاقسمه بين المسلمين.

* عن علي بن يحيى المنجم قال: جلس المنتصر في مجلس كان أمر أن يفرش له بفرش ديباج مثقل بالذهب، وكان في بعض البسط دائرة كتابة فيها مثال فرس وعليه راكب وعلى رأسه تاج، وحول الدائرة كتابة بالفارسية، فلما جلس المنتصر وجلس الندماء, وقف على رأسه وجوه الموالي والقواد، فنظر إلى تلك الدائرة وإلى الكتاب الذي حولها, فقال لبغا: ايش هذا الكتاب؟ فقال: لا أعلم يا سيدي, فسأل من حضر من الندماء فلم يحسن أحد أن يقرأه، فالتفت إلى وصيف وقال: أحضر لي من يقرأ هذا الكتاب, فأحضر رجلًا فقرأ الكتاب فقطب، فقال له المنتصر: ما هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين بعض حماقات الفرس، قال: أخبرني ما هو؟ قال: يا أمير المؤمنين ليس له معنى، فألح عليه وغضب. قال يقول: أنا شيرويه بن كسرى بن هرمز، قتلت أبي فلم أمتع بالملك إلا ستة أشهر، فتغير وجه المنتصر وقام عن مجلسه إلى النساء، فلم يملك إلا ستة أشهر.

* عن القاضي أبي محمد عبد الله بن محمد قال: حججت في بعض السنين, وحج في تلك السنة أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوى، وأبو بكر الأدمي القارئ، فلما صرنا بمدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، جاءني أبو القاسم البغوي فقال لي: يا أبا بكر ههنا رجل ضرير قد جمع حلقة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, وقعد يقص ويروي الكذب من الأحاديث الموضوعة، والأخبار المفتعلة، فإن رأيت أن تمضي بنا إليه لننكر عليه ذلك وتمنعه منه؟ فقلت له: يا أبا القاسم إن كلامنا لا يؤثر مع هذا الجمع الكثير، والخلق العظيم، ولسنا ببغداد فيعرف لنا موضعنا، وننزّل منازلنا، ولكن هاهنا أمر آخر وهو الصواب, وأقبلت على أبي بكر الأدمي فقلت: استعد واقرأ, فما هو إلا أن ابتدأ بالقراءة حتى انفلت الحلقة، وانفصل الناس جميعًا, وأحاطو بنا يسمعون قراءة أبي بكر, وتركوا الضرير وحده، فسمعته يقول لقائده: خذ بيدي, فهكذا تزول النعم.

* عن الشافعي قال: لم يزل محمد بن الحسن عندي عظيمًا جليلًا، أنفقت على كتبه ستين دينارًا حتى جمعني و إياه مجلس عند الرشيد، فابتدأ محمد بن الحسن فقال: يا أمير المؤمنين إن أهل المدينة خالفوا كتاب الله نصًا, وأحكام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, وإجماع المسلمين, فأخذني ما قدم وما حدث, فقلت: ألا أراك قد قصدت لأهل بيت النبوة, ومن نزل القرآن فيهم, وأحكمت الأحكام فيهم, وقبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرهم عمدت تهجوهم, أرأيتك أنت بأي شيء قضيت بشهادة امرأة واحدة قابلة حتى تورث ابن خليفة ملك الدنيا ومالًا عظيمًا؟ قال: بعلي بن أبي طالب. قلت: إنما رواه عن علي رجل مجهول يقال له عبد الله بن نجي, ورواه جابر الجعفي وكان يؤمن بالرجعة، سمعت سفيان بن عيينة يقول: دخلت على جابر الجعفي فسألني عن شيء من أمر الكهنة, ونحن معنا قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, وقضاء علي بن أبي طالب أنه قضى به بين أهل العراق, وقلت له: ما تقول في القسامة؟ قال: استفهام قلت: يا سبحان الله! تزعم أن رسول رب العالمين حكم في أمته بالاستفهام يستفهم ولا يحكم به قال: فسمعها هارون, فقال: ما هذا؟ عليَّ بالسيف والنطع, فلما جيء بهما قلت: يا أمير المؤمنين والله ما هذا عقده في القسامة, وإنه ليقول فيهما بخلاف هذا, ولكن المتناظران إذا أحب أحدهما أن يدخل على صاحبه حجة يكتبه بها. قال: فسري عن هارون. قال: فلما خرجنا من عنده قال لي: كنت قد أشطت بدمي. قال: قلت: فقد خلصك الله الآن.

* عن عبد الله بن مصعب قال: كنت عند أمير المؤمنين الرشيد فقال له بعض جلسائه في محمد بن عبد الرحمن: هو حدث السن وليس مثله يلي القضاء, فقلت: لا يضيع فتى من قريش في مجلس أنا فيه، فأقبلت عليهم فقلت لهم: وهل عاب الله أحدًا بالحداثة؟ أمير المؤمنين حدث السن أفتعيبونه؟! وقد قال الله تعالى:) قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ( [الأنبياء:60] . فقال لهم أمير المؤمنين: صدق, أنا حدث السن أتعيبوني بالحداثة؟ وأقره على القضاء.

* عن أبي سعيد السمرقندي قال: كان ببغداد قائد يلقب الكني كنيته أبو إسحاق، وكان يخاطب ابن قريعة: لبيك يا أبا إسحاق, فقال القائد: ما هذا؟ فأجابه إنما يكون بكورك إذا قضيتنا، فإذا بكرتنا تسحقناك، فقال القائد: وا ويلاه هذا أفظع من الأول.

* عن الشاذ كوني قال: كتبت ورقة من حديث الواقدي، وجعلت فيها حديثًا عن مالك لم يروه إلا ابن مهدي عن مالك, ثم أتيت بها الواقدي فحدثني إلى أن بلغ الحديث. قال: فتركني, ثم قام فدخل, ثم خرج فقال لي: هذا الحديث سأل عنه إنسان بغيض لمالك بن أنس فلم أكتبه, ثم حدثني به.

* عن أبي العيناء قال: أنا والله أحبك بكليتي, فقال: إلا عضوًا واحدا ً فبلغ ذلك ابن أبي دؤاد فقال: لقد وفق في التحديد عليه.

* عن أبي العيناء قال: قال لي المنتصر يومًا: ما أحسن الجواب؟ فقلت: ما أسكت المبطل، وحبر المحق.

* عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي قال: حج هارون الرشيد فأتى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - زائرًا له وحوله قريش وأفياء القبائل, ومعه موسى بن جعفر فلما انتهى إلى القبر قال: السلام عليك يا رسول الله يا ابن عمي افتخارًا على من حوله, فدنا موسى بن جعفر فقال: السلام عليك يا أبةِ, فتغير وجه هارون, وقال: هذا الفخر يا أبا الحسن حقًا.

* عن أبي عبد الله بن سلمويه قال: أسر مصعب بن الزبير رجلًا فأمر بضرب عنقه, فقال: أعز الله الأمير ما أقبح بمثلي أن يقوم يوم القيامة فأتعلق بأطرافك الحسنة, وبوجهك الذي يستضاء به, فأقول: يا رب سل مصعبًا فيمَ قتلني؟ فقال: يا غلام أعف عنه, فقال: أعز الله الأمير إن رأيت أن تجعل ما وهبت من حياتي في عيش رخي. قال: يا غلام أعطه مائة ألف, فقال: أعز الله الأمير, فإني أشهد الله وأشهدك إني قد جعلت لابن قيس الرقيات منها خمسين ألفًا, فقال له: ولِمَ؟ قال لقوله فيك:

إنما مصعب شهاب من الله…تجلت عن وجهه الظلماء.

* عن أبي غسان زياد قال: تكلم أبو عبيدة يومًا في باب من العلم, ورجل يكسر عينه حياء له يوهمه أنه يعلم ما يقول, فقال أبو عبيدة:

يكلمني ويخلج حاجبيه…وما يدري قبيلًا من دبير….

لأحسب عنده علمًا دفينًا…إذا قسم الذي يدري الظنونا….

قال زياد: فكنا نرى أن البيتين لأبي عبيدة, وكان لا يقر بالشعر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت